Featured Video

ضع بريدك الالكتروني:

Delivered by FeedBurner

أحكام أهل الذمة ( فصل ما هي الجزية؟ و تفسير آياتها )


فصل ما هي الجزية؟ و تفسير آياتها.
فلنرجع إلى الكلام في أحكام الجزية
قال: تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
فالجزية هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالا وصغارا والمعنى حتى يعطوا الخراج عن رقابهم.
واختلف في اشتقاقها فقال: القاضي في الأحكام السلطانية اسمها مشتق من الجزاء إما جزاءا على كفرهم لأخذها منهم صغارا أو جزاءا على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا.
قال: صاحب "المغني"1: هي مشتقة من جزاه بمعنى قضاه لقوله تعالى: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} فتكون الجزية مثل الفدية. قال: شيخنا والأول أصح وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة.
وأما قوله: {عَنْ يَدٍ} فهو في موضع النصب على الحال أي يعطوها أذلاء مقهورين هذا هو الصحيح في الآية. وقال:ت طائفة المعنى من يد إلى يد نقدا غير نسيئة: وقال:ت فرقة من يده إلى يد الآخذ لا باعثا بها ولا موكلا في دفعها. وقال:ت طائفة: معناه عن إنعام منكم عليهم بإقراركم لهم وبالقبول منهم والصحيح القول الأول وعليه الناس.
وأبعد كل البعد ولم يصب مراد الله من قال: المعنى عن يد منهم أي عن قدرة على أدائها فلا تؤخذ من عاجز عنها وهذا الحكم صحيح وحمل الآية عليه باطل ولم يفسر به أحد من الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة وإنما هو من حذاقة بعض المتأخرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المغني لابن قدامة وعلى هامشه الشرح الكبير – أعاننا الله على تحقيقه.
(3/5)


ص -35- وقوله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} حال أخرى فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية منهم أن يأخذوها بقهر وعن يد والثاني حال الدافع لها أن يدفعها وهو صاغر ذليل.
واختلف الناس في تفسير الصغار الذي يكونون عليه وقت أداء الجزية فقال: عكرمة أن يدفعها وهو قائم ويكون الآخذ جالسا. وقال:ت طائفة أن يأتي بها بنفسه ماشيا لا راكبا ويطال وقوفه عند إتيانه بها ويجر إلى الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف ثم تجر يده ويمتهن. وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتض الآية ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك1.
والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية فإن التزام ذلك هو الصغار. وقد قال: الإمام أحمد في رواية حنبل كانوا يجرون في أيديهم ويختمون في أعناقهم إذا لم يؤدوا الصغار الذي قال: الله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}. وهذا يدل على أن الذمي إذا بذل ما عليه والتزم الصغار لم يحتج إلى أن يجر بيده ويضرب. وقد قال: في رواية مهنا بن يحيى يستحب أن يتعبوا في الجزية. قال: القاضي ولم يرد تعذيبهم ولا تكليفهم فوق طاقتهم وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذلالهم .
قلت: لما كانت يد المعطي العليا ويد الآخذ السفلة احترز الأئمة أن يكون الأمر كذلك في الجزية وأخذوها على وجه تكون يد المعطي السفلى ويد الآخذ العليا.
قال: القاضي أبو يعلى: وفي هذا دلالة على أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال السلطان ويظهر منهم الظلم والاستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دماءهم مباحة لأن الله تعالى وصفهم
بإعطاء الجزية على وجه الصغار والذل. وهذا الذي استنبطه القاضي من أصح الاستنباط فإن الله سبحانه وتعالى مد القتال إلى غاية وهي إعطاء الجزية مع الصغار فإذا كانت حالة النصراني وغيره من أهل الجزية منافية للذل والصغار فلا عصمة لدمه ولا ماله وليست له ذمة ومن ها هنا اشترط عليهم
(3/6)


أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط التي فيها صغارهم وإذلالهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لقد عامل الإسلام أهل الكتاب بكل السماحة المعروفة عنه ولم يكن هناك تجاوز إلا في عصور الضعف الإسلامي الذي عانى منه المسلمون قبل أهل الكتاب حتى كان بعض المسلمين يتمنى أن يعامل كأهل الكتاب فالقول ما قال ابن القيم.
(3/7)


ص -36- وأنهم متى خرجوا عن شيء منها فلا عهد لهم ولا ذمة وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل الشقاق والمعاندة. وسنذكر إن شاء الله في آخر الجواب الشروط العمرية وشرحها1.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لم يأمر الدين الإسلامي بإذلال أحد ولا استعباده.
صل: أصل وضع الجزية وأنها ليست أجرة
قد تبين بما ذكرنا أن الجزية وضعت صغارا وإذلالا للكفار لا أجرة عن سكنى الدار وذكرنا أنها لو كانت أجرة لوجبت على النساء والصبيان والزمني والعميان ولو كانت أجرة لما أنفت منها العرب من نصارى بني تغلب وغيرهم والتزموا ضعف ما يؤخذ من المسلمين من زكاة أموالهم ولو كانت أجرة لكانت مقدرة المدة كسائر الإجارات ولو كانت أجرة لما وجبت بوصف الإذلال والصغار. ولو كانت أجرة لكانت مقدرة بحسب المنفعة فإن سكنى الدار قد تساوي في السنة أضعاف الجزية المقدرة ولو كانت أجرة لما وجبت على الذمي أجرة دار أو أرض يسكنها إذا استأجرها من بيت المال ولو كانت أجرة لكان الواجب فيها ما يتفق عليه المؤجر والمستأجر وبالجملة ففساد هذا القول يعلم من وجوه كثيرة.
تقدير الجزية والاختلاف فيه
وقد اختلف أئمة الإسلام في تقدير الجزية.
فقال: الشافعي رحمه الله تعالى: ويجعل على الفقير المعتمل دينار وعلى المتوسط ديناران وعلى الغني أربعة دنانير وأقل ما يؤخذ دينار وأكثره ما وقع عليه التراضي ولا يجوز أن ينقص من دينار.
وقال: أصحاب مالك: أكثر الجزية أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق1 ولا يزاد على ذلك فإن كان منهم ضعيف خفف عنه بقدر ما يراه الإمام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من يتعاملون بالفضة.
(3/8)


ص -37- وقال: ابن القاسم: لا ينقص من فرض عمر رضي الله عنه لمعسر ولا يزاد عليه لغني.
وقال: القاضي أبو الحسن: لا حد لأقلها قال: وقيل أقلها دينار أو عشرة دراهم.
وقال: أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى: يوضع على الغني ثمانية وأربعون درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى الفقير اثنا عشر. ثم اختلفوا في حد الغني والفقير والمتوسط. قال:وا والمختار أن ينظر في كل بلد إلى حال أهله وما يعتبرونه في ذلك فإن عادة البلاد في ذلك مختلفة.
وأما الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقد اختلفت الرواية عنه فنقل أكثر أصحابه عنه أنها مقدرة الأقل والأكثر فيؤخذ من الفقير المعتمل1 اثنا عشر درهما ومن المتوسط أربعة وعشرون ومن الموسر ثمانية وأربعون.
قال: حرب في "مسائله"2: سألت أبا عبد الله قلت خراج الرؤوس إذا كان الذمي غنيا؟ قال: ثمانية وأربعون درهما قلت فإن كان دون ذلك؟ قال: أربعة وعشرون قلت فإن كان دون؟ ذلك قال: اثنا عشر قلت فليس دون اثني عشر شيء؟ قال: لا.وقال: في رواية ابنه صالح وإبراهيم بن هانىء وأبي الحارث أكثر ما يؤخذ في الجزية ثمانية وأربعون والمتوسط أربعة وعشرون والفقير اثنا عشر زاد في رواية أبي الحارث أن عمر ضرب على الغني ثمانية وأربعين وعلى الفقير اثني عشر.
قال: الخلال: والذي عليه من قول أبي عبد الله أن للإمام أن يزيد في ذلك وينقص وليس لمن دونه أن يفعل ذلك وقد روى يعقوب بن بختان خاصة عن أبي عبد الله أنه لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك وروى عن أبي عبد الله أصحابه في عشرة مواضع أنه لا بأس بذلك. قال: ولعل أبا عبد الله تكلم بهذا في وقت والعمل من قوله على ما رواه الجماعة أنه لا بأس ولإمام أن يزيد في ذلك وينقص وقد أشبع الحجة في ذلك.
وقال: الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الجزية كم هي؟ قال: وضع عمر رضي
(3/9)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الذي يتكلف بالعمل
2 هي المسائل التي سمعها من ناصر السنة الإمام أحمد بن حنبل.
(3/10)


ص -38- الله عنه ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر قيل له كيف هذا؟ قال: على قدر ما يطيقون. قيل: فيزداد في هذا اليوم وينقص؟ قال: نعم يزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم وعلى قدر ما يرى الإمام.
وقال: أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن حديث عثمان بن حنيف تذهب إليه بالجزية؟ قال: نعم قلت ترى الزيادة؟ قال: لمكان قول عمر رضي الله عنه فإن زاد فأرجو أن لا بأس إذا كانوا مطيقين مثل ما قال: عمر رضي الله عنه.
وقال: احمد بن القاسم: سئل أبو عبد الله عن جزية الرؤوس وقيل له بلغك أن عمر رضي الله عنه جعلها على قدر اليسار من أهل الذمة اثني عشر وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين؟ قال: على قدر طاقتهم فكيف يصنع به إذا كان فقيرا لا يقدر على ثمانية وأربعين قال: إنما هو على قدر الطاقة. قيل فيزاد عليهم أكثر من ثمانية وأربعين قال: على حديث الحكم عن عمرو بن ميمون أنه قال: والله إن زدت عليهم درهمين لا يجهدهم قال: وكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين قال: ولم يبين قوله من الزيادة أكثر من هذا.
قلت لأبي عبد الله: يحكى عن الشافعي أنه قال: إذا سأل أهل الحرب أيؤدوا إلى الإمام عن رؤوسهم دينارا لم يجز له أن يحاربهم لأنهم قد بذلوا ما حد النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبه هذا وفكر فيه ثم تبسم وقال: مسألة فيها نظر.
وقال: صالح بن أحمد سألت أبي أي شيء تذهب في الجزية؟ قال: أما أهل الشام فعلى ما وصف عمر رضي الله عنه أربعة دنانير وكسوة وزيت وأما أهل اليمن فعلى كل حالم دينار وأما أهل العراق فعلى ما يؤخذ منهم.
وقال: الأثرم لأبي عبد الله: على أهل اليمن دينار شيء لا يزاد عليهم؟ قال: نعم قيل له ولا يؤخذ منهم ثمانية وأربعون؟ قال: كل قوم على سننهم. ثم قال: أهل الشام خلاف غيرهم أيضا وكل قوم على ما قد جعلوا عليه.
فقد ضمن مذهبه أربع روايات:
إحداها: أنه لا يزاد فيها ولا ينقص على ما وضعه عمر رضي الله عنه.
والثانية: تجوز الزيادة والنقصان
(3/11)


على ما يراه الإمام - قال: الخلال: وهو الذي عليه العمل -.
(3/12)


ص -39- والثالثة: تجوز الزيادة دون النقصان.
والرابعة: أن اهل اليمن خاصة لا يزاد عليهم ولا ينقص.
فصل: لا يتعين الذهب ولا الفضة في الجزية
ولا يتعين في الجزية ذهب ولا فضة بل يجوز أخذها مما تيسر من أموالهم من ثياب وسلاح يعملونه وحديد ونحاس ومواش وحبوب وعروض وغير ذلك. وقد دل على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل خلفائه الراشدين وهو مذهب الشافعي وأبي عبيد. ونص عليه أحمد في رواية الأثرم وقد سأله يؤخذ في الجزية غير الذهب والفضة؟ قال: نعم دينار أو قيمته معافر. والمعافر ثياب تكون باليمن. وذهب في ذلك إلى حديث معاذ رضي الله عنه الذي رواه في مسنده بإسناد جيد عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر. ورواه أهل السنن وقال: الترمذي حديث حسن.
وكذلك أهل نجران لم يأخذ في جزيتهم ذهبا ولا فضة وإنما أخذ منهم الحلل والسلاح: فروى أبو داود في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعلى ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يقرون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة على ألا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنون عن دينهم مالم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا. وهو صريح في أن أهل الذمة إذا أحدثوا في الإسلام أو لم يلتزموا ما شرطوا عليهم فلا ذمة لهم.
وقد دل على ذلك القرآن والسنة واتفاق الصحابة رضي الله عنهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال: الزهري أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى وقد أخذ منهم
(3/13)


ص -40- الحلل وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ النعم1 في الجزية. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه من صاحب الإبر إبرا ومن صاحب المسان مسان2 ومن صاحب الحبال حبالا ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول خذوا فاقتسموا فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه. فيؤخذ من عروضه بقدر ما عليه من الجزية هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه التي لا معدل عنها.
فقد تبين أن الجزية غير مقدرة بالشرع تقديرا لا يقبل الزيادة والنقصان ولا معينة الجنس.
قال: الخلال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة أنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه معينة الجنس في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك وهذا قول سفيان الثوري وأبي عبيد وغيرهم من أهل العلم.
وأول من جعل الجزية على ثلاث طبقات عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعلها على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرين وعلى الفقير اثني عشر وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة3. وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام ولولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع المواضع ولم يجز أن تختلف.
وقال: البخاري قال: ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من أجل اليسار وقد زادها عمر أيضا على ثمانية وأربعين فصيرها خمسين درهما.
رأي الشافعي في مقدار الجزية واحتجاجه عليه
واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بأن الواجب دينار على الغني والفقير والمتوسط بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بذلك في حديث معاذ رضي الله عنه وأمره أن يأخذ من كل حالم
(3/14)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النعم: المال السائم وأكثر مايطلق على الإبل – والجمع أنعام وأناعيم.
2 الإبرة معروفة أداة للحياكة أحد طرفيها محدد والآخر مثقوب يخاط بها والمسن الآلة التي يسن عليها الأسلحة لتحددها.
.3 لأنهم أنفوا أن تأخذ منهم الجزية كاليهود والنصارى
(3/15)


ص -41- دينارا ولم يفرق بين غني وفقير وجعلهم ثلاث طبقات وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع من اجتهاد عمر.
ونازعه الجمهور في ذلك وقال:وا لا منافاة بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما فعله عمر رضي الله عنه بل هو من سنته أيضا وقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سنته وسنة خلفائه في الإتباع فما سنه خلفاؤه فهو كسنته في الإتباع1 وهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه اشتهر بين الصحابة ولم ينكره منكر ولا خالفه فيه واحد منهم البتة واستقر عليه عمل الخلفاء والأئمة بعده فلا يجوز أن يكون خطأ أصلا.
وقد نص الشافعي على استحباب العمل به فقال: الواجب على كل رجل دينار لا يجزئ أقل من ذلك. فإن كان الذمي مقلا ولم يكن موسرا ولا متوسطا عقد له الإمام الذمة على دينار في كل سنة وإن كان متوسطا فيستحب أن يقول له الإمام جزية مثلك ديناران فلا أعقد لك ذمة على أقل منهما ويحمل عليه بالكلام فإن لم يقبل حمل عليه بعشيرته وأهله فإن لم يقبل وأقام على بذل الدنيار قبل منه وعقدت له الذمة وإن كان موسرا فيستحب أن يقال: له جزية مثلك أربعة دنانير لا أقبل منك أقل منها ويتحامل عليه بالكلام ويحمل عليه بعشيرته وقومه فإن لم يفعل وأقام على بذل الدينار قبل منه وعقدت له الذمة عليه.
قلت: ولا يخلو حديث معاذ من أحد وجوه ثلاثة.
الأول: أن يكون أمره بذلك لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر وقد أشار مجاهد إلى ذلك في قوله إنما جعل على أهل الشام ثمانية وأربعون درهما من أجل اليسار.
الوجه الثاني: أنهم كانوا قد أقروا بالجزية ولم يتميز الغني منهم من الفقير والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن بل كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو حي بين أظهرهم. فلما لم يتفرغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية كلها طبقة واحدة فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا
(3/16)


الشام تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة ومعرفة غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم فجعلوهم ثلاث طبقات وأخذوا من كل طبقة ما لا يشق عليهم إعطاؤه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يقول صلى الله عليه وسلم "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي..."
(3/17)


ص -42- الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدرها تقديرا عاما لا يقبل التغيير بل ذلك موكول إلى المصلحة واجتهاد الإمام فكانت المصلحة في زمانه أخذها من أهل اليمن على السواء وكانت المصلحة في زمن خلفائه الراشدين أخذها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يسارهم وأموالهم وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أخذها من أهل نجران حللا في قسطين قسط في صفر وقسط في رجب.
وقال: مالك عن نافع عن أسلم أن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام.
وقال: الليث بن سعد عن كثير بن فرقد ومحمد بن عبدالرحمن بن غنج عن نافع عن أسلم عن عمر رضي الله عنه أنه ضرب الجزية على أهل الشام - أو قال: على أهل الذهب - أربعة دنانير وأرزاق المسلمين من الحنطة مدين1 وثلاثة أقساط زيت لكل إنسان. كل شهر وعلى أهل الورق أربعين درهما وخمسة عشر صاعا لكل إنسان قال: ومن كان من أهل مصر فإردب كل شهر لكل إنسان قال: ولا أدري كم ذكر لكل إنسان من الودك2 والعسل.
من لا يقدر من أهل الذمة أعطي من بيت المال
وعلى هذا فلو كان فيهم من لا يقدر إلا على بعض دينار لوجب قبوله منه بحسب قدرته. وهذا قياس جميع الواجبات إذا قدر على أداء بعضها وعجز عن جميعها كمن قدر على أداء بعض الدين وإخراج بعض صاع الفطرة وأداء بعض النفقة إذ لا يقدر على تمامها وغسل بعض أعقابه إذا عجز عن غسل جميعها وقراءة بعض الفاتحة في الصلاة إذا عجز عن جميعها ونظائر ذلك.
قال: أبو عبيد3: والذي اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم النقصان وللزيادة التي زادها عمر رضي الله عنه على وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم للزيادة التي زادها هو نفسه حين
(3/18)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المد مكيال قديم اختلف الفقهاء في تقديره بالكيل المصري فقدره الشافعية بنصف قدح وكذلك المالكية وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز ورطلان عند أهل العراق.
2 الودك الدسم. أو دسم اللحم أو دهمه الذي يستخرج منه وشحم الألية والجنبين.
3 في كتابة الأموال. وهو قول يجارى ما يأمر به الإسلام من العدل والإحسان.
(3/19)


ص -43- كانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين ولو عجز أحدهم عن دينار لحطه من ذلك حتى قد روي عنه أنه أجرى على شيخ منهم من بيت المال وذلك أنه مر به وهو يسأل على الأبواب وفعله عمر بن عبدالعزيز وقال: أبو عبيد ولو علم عمر أن فيها سنة مؤقتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تعداها إلى غيرها.
فصل: لا يحل تكليف دافعي الجزية ما لا يطيقون
ولا يحل تكليقهم ما لا يقدرون عليه ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم ضربهم.
قال: أبو عبيد ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه وعن هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين فقال: هشام سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا".
وقال: الزهري عن عروة بن الزبير إن عياض بن غنم رأى نبطا يشمسون في الجزية فقال: لصاحبهم: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تبارك وتعالى يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا". قال: الزهري عن عروة بن الزبير إن هشام بن حكيم هو الذي قال: ذلك لعياض بن غنم قال: نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد أن هشام بن حكيم قال: ذلك لعياض بن غنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عياض لهاشم قد سمعت ما سمعت ورأيت ما رأيت أو لم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده له علانية1 ولكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا فقد أدى الذي عليه".
قال: وحدثنا نعيم ثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بمال كثير - أحسبه قال: من الجزية - فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس. قال:وا: لا والله ما أخذنا إلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فمن نصح سرا فقد زان ومن فعل جهرا فقد شان.
(3/20)


ص -44- عفوا صفوا. قال: بلا سوط ولا نوط1 قال:وا نعم قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني.
قال: وحدثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبدالعزيز قال: قدم سعيد بن عامر بن حذيم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما أتاه علاه بالدرة فقال: سعيد سبق سيلك مطرك2 إن تعاقب نصبر وإن تعف نشكر وإن تستعتب نعتب3. فقال: ما على المسلم إلا هذا مالك تبطئ بالخراج؟ فقال: أمرتنا ألا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم فقال: عمر رضي الله عنه لا عزلتك ما حييت! قال: أبو عبيد وإنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم ولم أسمع في استيداء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا.
قال: وثنا مروان بن معاوية الفزاري عن خلف مولى آل جعدة عن رجل من آل أبي المهاجر قال: استعمل علي بن أبي طالب رجلا على عكبراء فقال: له على رؤوس الملأ لا تدعن لهم درهما من الخراج قال: وشدد عليه القول ثم قال: إلقني عند انتصاف النهار فأتاه فقال: إني كنت أمرتك بأمر وإني أتقدم إليك الآن فإن عصيتني نزعتك لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وارفق بهم وافعل بهم وافعل بهم.
قال: وحدثني الفضل بن دكين عن سعيد بن سنان عن عنترة قال: كان علي يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من صاحب الإبر إبرا ومن صاحب المسان مسان ومن صاحب الحبال حبالا ثم يدعو العرفاء فيعطيهم الذهب والفضة فيقتمسونه ثم يقول خذوا هذا فاقتسموه فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول أخذتم خياره وتركتم علي شراره لتحملنه.
قال: أبو عبيد: وإنما توجه هذا من علي رضي الله عنه أنه إنما كان يأخذ منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم التي عليهم من جزية رؤوسهم ولا يحملهم على بيعها ثم يأخذ ذلك من الثمن إرادة الرفق بهم والتخفيف عليهم. قال: "ومثل هذا
(3/21)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ناط الشيء بغيره وعليه نوطا علقه.
2 أي سبقت عقوبتك فضلك.
3 أي تطلب العتبى وهي الرضا.
(3/22)


ص -45- حديث معاذ رضي الله عنه حين قال: باليمن ائتوني بحميس أو لبيس1 آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة وكذلك فعل عمر رضي الله عنه حتى كان يأخذ الإبل في الجزية".
وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل الذمة وألا يباع عليهم من متاعهم شيء ولكن يؤخذ مما سهل عليهم بالقيمة. ألا تسمع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو عدله من المعافر؟" فقد بين لك ذكر العدل أنه القيمة.
كتاب عمر بن عبد العزيز في الجزية
قال: وحدثنا محمد بن كثير عن أبي رجاء الخراساني عن جسر قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن أرطاة قريء علينا بالبصرة أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا وخسرانا مبينا فضع الجزية على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض فإن في ذلك صلاحا لمعاشر المسلمين وقوة على عدوهم ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه.
قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن محمد بن طلحة عن داود بن سليمان الجعفي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن سلام عليك أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام وسنن خبيثة سنتها عليهم عمال السوء وإن أقوم الدين العدل والإحسان فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك أن توطنها الطاعة لله عز وجل فإنه لا قليل من الإثم وأمرتك ألا تطرق عليهم أرضهم وألا تحمل خرابا على
(3/23)


عامر ولا عامرا على خراب ولا تأخذ من الخراب إلا ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الحميس ما حمس في الفرن أي خبز أو صنع واللبيس هو الملبوس من الثياب.
(3/24)


يطيق ولا من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض وأمرتك ألا تأخذ في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آس ولا أجور الضرابين ولا إذابة الفضة ولا هدية النيروز والمهرجان ولا ثمن المصحف ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض فاتبع في ذلك أمري فقد وليتك في ذلك ما ولاني الله ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه وانظر من أراد من الذرية الحج فعجل له مئة يتجهز بها والسلام عليك. قال: عبدالرحمن قوله دراهم النكاح يريد به بغايا كان يؤخذ منهن الخراج وقوله الذرية يريد به من كان ليس من أهل الديوان1.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فقد زاد المال وفاض في عصر خامس الخلفاء الراشدين حتى كان يعين من أراد الحج كذلك كان يزوج العرب من الشباب رضي الله عن عمر بن عبد العزيز وأهل الديوان الذين يفرض لهم مبلغا معلوم كل عام من بيت المال.
(3/25)

0 التعليقات :

إرسال تعليق

يسعدني تفاعلكم