Featured Video

ضع بريدك الالكتروني:

Delivered by FeedBurner

صفة صلاة النبي للألباني [ اللباسُ في الصلاة ]

وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدخل في الصلاة بما تيسر عليه من الثياب ، فلم يكن يتخذ
لها ثوباً خاصاً ؛ إلا صلاة الجمعة - كما سيأتي - ؛ فكان تارة " يصلي في
حُلّة حمراء " (1) (وهي (2) ثوبان : إزار ، ورداء) ، وكان يأمر بهما ؛ فيقول :
__________
(1) كما قال أبو جحيفة :
خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حلة حمراء مشمراً ، فصلى إلى العنَزَةِ بالناس ركعتين ،
ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزةِ .
أخرجه البخاري (1/386 و 10/210) ، ومسلم (2/56) ، وأبو داود (1/86) ،
والنسائي (1/125) وترجم له : (الصلاة في الثياب الحُمْر) ، والترمذي (1/375)
وصححه ، وأحمد (4/308) عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه به .
وفي الحديث دلالة على جواز لبس الثياب الحمراء ، وهو مذهب الشافعية وغيرهم ،
وهو الصواب إن شاء الله تعالى ، ولا يصح شيء من الأحاديث في النهي عن لباس
الأحمر ، وتأويل الحلة الحمراء بأنها ذات خطوط حمر - كما فعل ابن القيم في " الزاد "
(1/48 و 172) وفي غيره - خلاف الظاهر - كما بينه الشوكاني - .
على أنه قد ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى على الحسن والحسين قميصين أحمرين ؛ فلم
ينكر ذلك ، وليس هذا موضع تفصيل ذلك ، وإنما أردنا الإشارة إليه ، فمن شاء التوسع
فيه ؛ فليراجع " نيل الأوطار " (2/80 - 83) ، وكذا " التعليقات الجياد " .
(2) تفسير (الحلة) بذلك هو الأشهر - كما قال الحافظ في " الفتح " (10/213) - .
وقيل :
هي : ثوبان ؛ أحدهما فوق الآخر . والرداء : هو الثوب أو البُرْدُ الذي يضعه الإنسان
على عاتقيه ، وبين كتفيه فوق ثيابه .
(1/145)


" إذا صلى أحدكم ؛ فليأتزر وليرتَدِ " (1) .
حتى " نهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء " (2) .
وإنما أراد به القادر على الرداء (3) ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام :
" إذا صلى أحدكم ؛ فليلبس ثوبيه ؛ فإن الله أحق من يُزَّيَّنُ له ، فإن لم
يكن له ثوبان ؛ فليتزر إذا صلى ، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال (4)
__________
(1) أخرجه الطحاوي (1/221) ، والبيهقي (2/235) من طريق عبيد الله بن معاذ
قال : ثنا أبي قال : ثنا شعبة عن توبة العنبري سمع نافعاً عن ابن عمر مرفوعاً به .
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين .
(2) أخرجه أبو داود (1/103) ، والطحاوي (1/224) ، والحاكم (1/250) ، وعنه
البيهقي (2/236) عن أبي المُنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال :
نهى أن يصلي في لحاف لا يتوشح به ، ونهى أن يصلي الرجل ... إلخ .
وهذا سند حسن . وأما قول الحاكم وكذا الذهبي : إنه " صحيح على شرط
الشيخين " ! فمن أوهامهما ؛ فإن أبا المُنِيْب - واسمه : عبيد الله بن عبد الله العَتَكي - ليس
من رجالهما ، وهو صدوق يخطئ - كما في " التقريب " - .
(3) قال الطحاوي :
" وهذا عندنا على الوجود معه لغيره ، فإن كان لا يجد غيره ؛ فلا بأس بالصلاة فيه ،
كما لا بأس في الثوب الصغير ؛ مُتّزراً به " .
قلت : ويدل لذلك الأحاديث الآتية بعدُ .
(4) قال الخطابي في " المعالم " (1/178) :
(1/146)


اليهود " (1) .
__________
" اشتمال اليهود المنهي عنه هو : أن يجلل بدنه الثوب ويسبله ؛ من غير أن يشيل
طرفه " .
(1) أخرجه البيهقي (2/235 - 236) عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة
عن نافع عن عبد الله - ولا يرى نافع إلا أنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : ... فذكره .
وهذا سند صحيح على شرط الستة ؛ لولا التردد في رفعه .
لكن أخرجه الطحاوي (221) من طريق حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن
نافع عن ابن عمر قال :
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ... فذكره بدون تردد في رفعه .
وهذا صحيح أيضاً على شرط الشيخين .
وقد تابعه أيوب عن نافع به .
أخرجه أبو داود (1/103) : ثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد عنه .
وسنده صحيح أيضاً على شرطهما . وصححه النووي (3/173) .
وأخرجه البيهقي (236) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي : ثنا سليمان بن
حرب به ؛ إلا أنه تردد في رفعه .
ثم أخرجه كذلك من طريق أبي الربيع : ثنا حماد بن زيد به ؛ إلا أنه قال :
وأكثر ظني أنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم قال :
" ورواه الليث بن سعد عن نافع ؛ هكذا بالشك " .
ثم أخرجه من طريق سعيد - وهو : ابن أبي عَرُوبة - عن أيوب به مرفوعاً بدون
شك بلفظ :
(1/147)


................................................................................
__________
" إذا صلى أحدكم في ثوب ؛ فليشدَّه على حَقْوِهِ ، ولا تشتملوا اشتمال اليهود " .
وسنده صحيح .
وأخرجه الطحاوي - والسياق له - ، وأحمد (2/148) عن ابن جريج : قال : أخبرني
نافع :
أن ابن عمر رضي الله عنهما كساه وهو غلام ، فدخل المسجد ، فوجده يصلي
متوشحاً ، فقال : أليس لك ثوبان ؟ قال : بلى . قال : أرأيت لو استعنت بك وراء الدار ؛
أكنت لابسهما ؟ قال : نعم . قال: فالله أحق أن تَزَّيَّنَ له أم الناس ؟ قال نافع : بل الله .
فأخبره عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو عن عمر رضي الله عنه - قال نافع : قد استيقنت أنه عن
أحدهما ، وما أُراه إلا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال :
" لا يشتمل أحدكم في الصلاة اشتمال اليهود - زاد أحمد : ليتوشح - ، من كان له
ثوبان ؛ فليتّزر ، وَلْيَرْتَدِ ، ومن لم يكن له ثوبان ؛ فليتزر ، ثم ليصلِّ " .
ثم أخرجه أحمد (1/16) عن ابن إسحاق : ثنا نافع به نحوه موقوفاً ، وفيه قال
نافع :
ولو قلت لك : إنه أسند ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لرجوت أن لا أكون كذبت .
وهذا سند جيد .
وبالجملة ؛ فالحديث صحيح مرفوعاً وموقوفاً ، ولا منافاة بينهما . والتردد الذي وقع
في بعض الروايات قد زال بقول بعضهم :
" وأكثر ظني أنه رفعه " . وبجزم البعض الآخر برفعه - كما سبق - . وقد جزم برفعه
عن نافع توبة العنبري - كما سبق قريباً - .
(1/148)


وتارة " في جُبَّةٍ شاميةٍ ضيقةِ الكُمَّين " (1) ، حتى إنه " لما أراد الوضوء ؛
ذهب يخرج يده من كُمِّها ليتوضأ ؛ فضاقتْ عليه ، فأخرج يده من
أسفلها " (2) . وكان تحت الجبة قميص أو إزار .
__________
(1) قال ابن القيم في " الزاد " (1/49) :
" وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج ؛ فلم يلبسها هو ، ولا أحد
من أصحابه ألبتة ، وهي مخالفة لسنته ، وفي جوازها نظر ؛ فإنها من جنس الخُيَلاء " .
قال الشوكاني (2/90) :
" وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء ؛ فيُرى أحدهم وقد
جعل لقميصه كمين ، يَصْلُحُ كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصاً لصغير من أولاده
أو يتيم ، وليس في ذلك شيء من الفوائد الدنيوية إلا العبث ، وتثقيل المؤنة على
النفس ، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع ، وتعريضه لسرعة التمزق ، وتشويه
الهيئة ، ولا الدينية إلا مخالفة السنة ، والإسبال ، والخيلاء " . ا هـ .
(2) أخرجه البخاري (1/377) ، ومسلم (1/158) ، ومالك (1/57) ، وأبو داود
(1/24) ، والنسائي (1/31 و 5/26 و 32) ، والبيهقي (2/412) ، وأحمد (4/247
و 250 و 251) من طرق عن المغيرة بن شعبة قال :
خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقضي حاجته ، فلما رجع ؛ تلقيته بالإداوة ، فصببت عليه ،
فغسل يديه ، ثم غسل وجهه ، ثم ذهب ليغسل ذراعيه ؛ فضاقت الجبة ؛ فأخرجهما من
تحت الجبة ، فغسلهما ، ومسح رأسه ، ومسح على خفيه ، ثم صلى بنا .
واللفظ لمسلم . وفي رواية له :
وعليه جبة شامية ضيقة الكمين . زاد في أخرى :
من صوف . وهي عند أبي داود ، وزاد
(1/149)


................................................................................
__________
من جِبَاب الروم . وزاد مسلم في رواية (1/159) :
فأخرج يده من تحت الجبة ، وألقى الجبة على منكبيه .
قال الشيخ علي القاري في " المرقاة " (1/361) :
" فيه دليل على أنه كان تحته إزار أو قميص ، وإلا ؛ لظهرت العورة " . قال البيهقي :
" والجبة الشامية في عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نسج المشركين ، وقد توضأ وهي عليه ،
وصلى " . ثم روى عن الحسن قال :
" لا بأس بالصلاة في رداء اليهود والنصارى " .
وفي الحديث فوائد كثيرة ذكرها الحافظ في " الفتح " (1/246) منها :
" جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبس الجبة الرومية ،
ولم يستفصل " . انتهى .
فإن قيل : قد تقرر في الشرع النهي عن لبسة الكفار ؛ كما قال عبد الله بن عمرو :
رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليَّ ثوبين معصفرين ، فقال :
" إن هذه من ثياب الكفار ؛ فلا تلبسها " .
أخرجه مسلم (6/144) وغيره ؛ فكيف لبس صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لباس الروم وهم من الكفار ، وقد
نهى عن لباسهم ؟!
والجواب : إن الألبسة نوعان :
نوع منها مشترك بين جميع الأمم والأديان ، ليس شعاراً لبعضهم دون بعض . فهذا
مباح للمسلم لبسها مهما كان شكلها ومصدرها ، لا ضير على المسلم في ذلك ، وقد جاء
في " الدر المختار " :
(1/150)


................................................................................
__________
" إن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء . وذكروا على ذلك عن هشام قال :
رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير ، فقلت : أترى بهذا بأساً ؟ قال : لا .
قلت : سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك ؛ لأن فيه تشبهاً بالرهبان . فقال :
كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس النعال التي لها شعر ، وإنها من لباس الرهبان " . ا هـ .
ومن هذا النوع كانت جبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرومية فيما يظهر لنا .
وأما النوع الآخر ؛ فهو ما كان شعاراً لبعض الأمم الكافرة ؛ يتميزون به عن غيرهم
من الأمم . فلا يجوز حينئذٍ لمسلم أن يقلدهم ، وأن يتشبه بهم في ذلك ؛ لما في ذلك من
تضعيف شوكة المسلمين ؛ بتقليل عددهم في الظاهر ، وتقوية أعدائهم عليهم بذلك ، وقد
تقرر في علم النفس - كما كنت قرأت في بعض الكتب والمجلات العصرية - : أن للظاهر
تأثيراً في الباطن . وذلك مشهود في بعض المظاهر ، وقد أشار إلى ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بقوله حينما كان يسوي الصفوف :
" لا تختلفوا ؛ فتختلفَ قلوبكم " .
رواه أبو داود (1/107) ، والنسائي (1/130) ، وابن خزيمة في " صحيحه " .
وسنده صحيح عن البراء به . وعن النعمان بن بشير مرفوعاً :
" عباد الله ! لَتُسَوُّنَّ صفوفكم ؛ أو ليخالفن الله بين وجوهكم " .
أخرجه الشيخان ، وأصحاب " السنن " وغيرهم .
فجعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختلاف الظواهر سبباً لاختلاف البواطن والقلوب ، وعلى هذا النوع من
اللباس يُنَزَّل حديث ابن عمرو المذكور سابقاً ، ومثله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" من تشبه بقوم ؛ فهو منهم " .
أخرجه أبو داود (2/172 - 173) ، وأحمد (2/50) من طريق عبد الرحمن بن ثابت
(1/151)


وكان أحياناً " يصلي في بُرْدٍ له حضرميٍّ متَوَشِّحَه ، ليس عليه غيره " (1) .
و " في ثوب واحد ؛ مخالفاً بين طرفيه ، يجعلهما على منكبيه (2) " (3) .
__________
ابن ثوبان : ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجُرَشي عن ابن عمر مرفوعاً به .
وهذا إسناد حسن - كما قال الحافظ في " الفتح " (10/222) - ، وصححه شيخه
العراقي في " تخريج الإحياء " (1/242) ، وسبقه إلى ذلك ابن حبان - كما في " بلوغ
المرام " (4/239 - سبل السلام) - .
قلت : وقد أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (1/88) من طريق الوليد بن
مسلم : ثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية به .
وهذا سند صحيح إذا كان الأوزاعي سمعه من حسان ؛ فإن الوليد بن مسلم يدلس
تدليس التسوية ؛ لا سيما عن الأوزاعي .
وفي الباب أحاديث أخرى كثيرة في النهي عن التشبه بالكفار ، ليس هذا موضع
روايتها ؛ فليراجع لذلك كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم " لشيخ
الإسلام ابن تيمية ، فإنه خير كتاب وقفنا عليه في هذا الموضوع .
(1) أحمد (1/265) ، والطحاوي .
(2) قال الباجي :
" يريد أنه أخذ طرف ثوبه تحت يده اليمنى ، ووضعه على كتفه اليسرى ، وأخذ
الطرف الآخر تحت يده اليسرى ، فوضعه على كتفه اليمنى . وهذا نوع من الاشتمال
يسمى : التوشيح . ويسمى : الاضطباع . وهو مباح في الصلاة وغيرها ؛ لأنه يمكنه إخراج
يده للسجود وغيره دون كشف عورته " . كذا في " تنوير الحوالك " .
(3) قد جاء ذلك من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة ؛ حتى صار بذلك
(1/152)


................................................................................
__________
متواترا تواتراً معنوياً ، وإليك بعضاً - أو كثيراً - من أحاديثهم :
1- عن عمر بن أبي سلمة قال :
رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في ثوب واحد ، مشتملاً به في بيت أم سلمة ، واضعاً
طرفيه على عاتقيه .
أخرجه البخاري (1/373) ، ومسلم (2/61 - 62) ، ومالك (1/158) ، وأبو داود
(1/102) ، والنسائي (1/124) ، والترمذي (2/166) وصححه ، وابن ماجه
(1/324) ، والطحاوي (1/222) ، والبيهقي (2/237) ، وأحمد (4/26 و 27) ؛ كلهم
عن هشام بن عروة عن أبيه .
إلا أبا داود ، ورواية لمسلم ، وللطحاوي ، وأحمد ؛ فعن أبي أمامة بن سهل ؛ كلاهما
عنه .
واللفظ لعروة عند البخاري وغيره . وفي لفظ :
متوشحاً .. بدل : مشتملاً . وقال أبو أمامة :
ملتحفاً مخالفاً بين طرفيه .
2- عن أم هانئ :
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في بيتها عام الفتح ثماني ركعات في ثوب قد خالف بين
طرفيه .
أخرجه مالك (1/166) ، وعنه البخاري (1/373 و 6/209 و 10/454) ، ومسلم
(1/182 - 183 و 2/158) ، ومحمد في " موطئه " (116) ، والنسائي (1/46) ،
والطحاوي (1/222) ، وأحمد (6/343) ؛ كلهم عن مالك عن أبي النضر مولى عمر ابن
عبيد الله : أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ به . واللفظ لمسلم .
(1/153)


................................................................................
__________
وأخرجه مسلم ، والطحاوي ، وأحمد (6/341 و 342) ، والطيالسي (225) من طرق
أخرى عن أبي مرة به .
3- عن جابر بن عبد الله قال :
رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد متوشحاً به .
أخرجه البخاري (1/372) ، ومسلم (1/62) ، والطحاوي (1/223) ، والبيهقي
(2/237) ، والطيالسي (238) ، وأحمد (3/294 و 312 و 326 و 343 و 351 و 352
و 356 و 357 و 386 و387 و 391) من طرق عنه به . واللفظ لمسلم . وقال الطيالسي ،
والبيهقي ، وأحمد :
مخالفاً بين طرفيه على عاتقه .
وفي رواية للطحاوي (1/222) من طريق القعقاع بن حكيم قال :
دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد ، وقميصه ورداؤه في
المشجب ، فلما انصرف ؛ قال :
أما والله ! ما صنعت هذا إلا من أجلكم ، إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الصلاة في ثوب
واحد ؟ فقال :
" نعم ؛ ومتى يكون لأحدكم ثوبان ؟! " .
وسنده صحيح .
4- عن أبي سعيد الخدري مثله .
أخرجه مسلم ، وابن ماجه ، والبيهقي ، وأحمد (3/10 و 59) من طريق أبي سفيان
عن جابر عنه .
وله في " المسند " (3/379) طريق آخر .
(1/154)


................................................................................
__________
5- عن عبد الرحمن بن كيسان عن أبيه قال :
رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الظهر والعصر في ثوب واحد مُتَلَيِّبَاً به .
أخرجه ابن ماجه ، وأحمد (3/417) .
وسنده محتمل للتحسين ، وجزم بحسنه البوصيري في " الزوائد " .
وفي الباب عن جمع غير هؤلاء من الصحابة ، وقد أخرج أحاديثهم الهيثمي في
" المجمع " (2/48 - 51) ، فمن شاء ؛ فليراجعها هناك .
وفي الباب عن أنس ، ويأتي حديثه قريباً ، وهو المذكور بعد هذا .
واعلم أن الالتحاف والتوشح بمعنى واحد ، وهو : المخالف بين طرفيه على عاتقيه .
وهو الاشتمال على منكبيه - كما ذكره البخاري عن الزهري - . وذكر نحوه النووي في
" شرح مسلم " .
وأما المُتَلَبِّبُ بالثوب : فهو أن يجمعه عند صدره ، يقال : (تَلَبّبَ بثوبه) : إذا جمعه
عليه . قال النووي :
" وفي هذه الأحاديث جواز الصلاة في الثوب الواحد ، ولا خلاف في ذلك ؛ إلا ما
حكي عن ابن مسعود رضي الله عنه فيه . ولا أعلم صحته " .
قلت : كأنه يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال :
لا تُصَلِّيَنَّ في ثوب واحد ؛ وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض .
سكت عليه في " الفتح " . ولعل قول ابن مسعود هذا محمول على ما إذا كان عنده
ثوب آخر ؛ بدليل حديثه الآخر :
وهو ما أخرجه عبد الله بن أحمد في " زوائده " (5/141) من طريقين عن أبي مسعود
(1/155)


................................................................................
__________
الجريري عن أبي نضرة بن بقية قال : قال أُبي بن كعب :
الصلاة في الثوب الواحد سنة ؛ كنا نفعله مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا يعاب علينا .
فقال ابن مسعود :
إنما كان ذاك ؛ إذ كان في الثياب قلة ، فأما إذ وسع الله ؛ فالصلاة في الثوبين أزكى .
ورجاله ثقات رجال مسلم ؛ لكن قال في " مجمع الزوائد " (2/49) :
" وأبو نضرة : لم يسمع من أُبيٍّ ، ولا من ابن مسعود " .
قلت : قد وصله البيهقي (2/238) من طريق يزيد بن هارون : أبنا داود عن أبي
نضرة عن أبي سعيد قال :
اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد ... الحديث بنحوه .
وهذا سند صحيح . قال البيهقي :
" وهذا يدل على أن الذي أمر به ابن مسعود في الصلاة في ثوبين استحباب لا
إيجاب " . ا هـ .
ويدل لما قاله ابن مسعود رضي الله عنه - من أن الاقتصار على الثوب الواحد إنما
كان وفي الثياب قلة - حديث جابر المتقدم عند الطحاوي ، ومثله حديث أبي هريرة
الآتي : "أَوَلكلكم ثوبان ؟ " . وما سنذكره من قول عمر في ذلك .
وكون الصلاة في الثوبين أزكى وأفضل - كما قال ابن مسعود - ؛ مجمع عليه - كما
حكاه النووي في " شرح مسلم " - ، ويدل لذلك الأمر بالارتداء والاتزار - كما في الحديث
السابق - .
(1/156)


و " آخر صلاة صلاها في ثوب قِطْرِيٍّ (1) متوشحاً به " (2) . وقال :
__________
(1) هو ضرب من البرود ؛ فيه حمرة ، ولها أعلام فيها بعض الخشونة . وقيل : هي
حُلل جِيَاد ، وتحمل من قبل البحرين . وقال الأزهري : في أعراض البحرين قرية يقال
لها : قَطَر ، وأحسب الثياب القِطْرِيَّةَ نسبت إليها ، فكسروا القاف للنسبة ، وخففوا . كذا
في " النهاية " . وقال العسقلاني :
" ثياب من غلِيظ القطن ونحوه " . نقله القاري في " شرح الشمائل " .
(2) هو من حديث أنس :
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد بُرْدٍ مخالفاً بين طرفيه ،
فكانت آخر صلاة صلاها .
أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن حميد عن ثابت عنه .
وأخرجه الترمذي وغيره . وقد تقدم في صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعداً [ص 83 - 84] .
ورواه الترمذي في " الشمائل " (1/136 - 138) ، وأحمد (3/262) من طريقين عن
حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن الحسن عن أنس بن مالك :
أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج وهو متكئ على أسامة بن زيد ، عليه ثوب قِطْري قد توشح به ،
فصلَّى بهم .
وهذا إسناد على شرط مسلم .
ثم أخرجه أحمد (3/257 و 281) قال : ثنا عفان : ثنا حماد بن سلمة قال : ثنا
حميد عن الحسن وعن أنس - فيما يحسب حماد - :
أن رسول الله خرج يتوكأ على أسامة بن زيد ، وهو متوشح بثوب قطن قد خالف بين
طرفيه ، فصلى بالناس .
(1/157)


" إذا صلى أحدُكم في ثوبٍ واحدٍ ؛ فَلْيُخَالِفْ بين طَرفيه [ على عاتِقَيْهِ ] " (1) .
وفي لفظ :
" لا يصلِّي أحدُكم في الثوبِ الواحد ليس على عاتِقَيْه منه شيءٌ " (2) .
__________
وهذا أيضاً صحيح على شرط مسلم . وقد عزاه في " المجمع " (2/49) للبزار وحده ، وقال :
" رجاله رجال " الصحيح " " ! وهو ذهول منه عن كونه في " مسند أحمد " .
وأخرجه الطيالسي (285) ، لكنه شك ؛ هل هو عن أنس أو الحسن ؟
(1) أخرجه البخاري (1/375) ، وأبو داود (1/102) ، والبيهقي (2/238) ،
وأحمد (2/255 و 427) من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن أبي هريرة
مرفوعاً به . واللفظ لأحمد ، والزيادة عند الجميع ما عدا البخاري ، وهي في " مستخرج "
الإسماعيلي ، وأبي نعيم - كما في " فتح الباري " - .
وله طريق آخر : رواه الطحاوي (1/223) عن عبد الله بن عياش عن ابن هرمز عنه مرفوعاً .
وأما اللفظ الآخر ؛ فأخرجه البخاري (1/374 - 375) ، ومسلم (2/61) ، وأبو
داود ، والنسائي أيضاً (1/125) ، والدارمي (1/318) ، والطحاوي ، والبيهقي من طريق
أبي الزناد عن الأعرج عنه مرفوعاً به . ولفظ الدارمي والبيهقي :
" لا يصلين " ؛ بزيادة نون التأكيد .
وكذلك أخرجه الشافعي في " الأم " (1/77) من طريق مالك عن أبي الزناد ، ومن طريقه
أيضاً الدارقطني في " غرائب مالك " عن عبد الوهاب بن عطاء عنه - كما في " الفتح " - .
(2) قال الخطابي :
" يريد أنه لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حَقويْه ؛ ولكن يتزر به ، ويرفع
طرفيه ؛ فيخالف بينهما ، ويشده على عاتقه ؛ فيكون بمنزلة الإزار والرداء " . قال الشيخ
(1/158)


................................................................................
__________
علي القاري (1/479) :
" والحكمة في ذلك أن لا يخلو العاتق من شيء ؛ لأنه أقرب إلى الأدب ، وأنسب
إلى الحياء من الرب ، وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب . والله أعلم " .
وظاهر النهي في هذه الرواية يفيد التحريم ؛ كما أن ظاهر الرواية الأولى يفيد
الوجوب . وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف ، ومنهم الإمام أحمد رضي الله عنه ،
والمشهور عنه : أنه لو صلى مكشوف العاتق مع القدرة على السترة ؛ لم تصح صلاته .
فجعله شرطاً . وهو مذهب ابن حزم في " المحلى " (4/70) .
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد : أنه تصح صلاته ، ولكن يأثم بتركه .
وذهب الجمهور - مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وغيرهم - إلى أن النهي للتنزيه ،
والأمر للاستحباب ؛ فلو صلى في ثوب واحد ساتراً لعورته ، ليس على عاتقه منه شيء ؛
صحت صلاته مع الكراهة ، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا . قال النووي
في " شرح مسلم " :
" وحجة الجمهور قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" فإن كان واسعاً ؛ فالتحِفْ به ، وإن كان ضيقاً ؛ فاتَّزِرْ به " " .
قلت : لست أدري ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث على عدم الوجوب ؛ بينما هو
واضح الدلالة لمذهب أحمد وغيره ، وهو التفريق بين الثوب الواسع - فيجب الالتحاف به - ،
وبين الضيِّق - فلا يجب - ، فكما أنه أمر بالائتزار به إن كان ضيقاً - وذلك واجب - ؛
فكذلك أمر بالالتحاف به إذا كان واسعاً ؛ فهو واجب .
فهذا المذهب - وهو وجوب المخالفة بين طرفي الثوب - هو الأقوى من حيث الدليل
والبرهان ، وإليه مال البخاري - كما يدل تصرفه في " صحيحه " - ؛ كما قال الحافظ ، قال :
(1/159)


وقيد ذلك بالثوب الواسع ؛ فقال :
" إذا صلَّيتَ وعليك ثوبٌ واحد ، فإن كان واسعاً ؛ فالتحف به ، وإن
كان ضيقاً ؛ فاتزر به " (1) .
__________
" وهو اختيار ابن المنذر وتقي الدين السبكي من الشافعية " .
قلت : وإليه ذهب الشوكاني في " نيل الأوطار " (2/59 - 61) .
وأما بطلان الصلاة بترك ذلك ؛ فالحديث لا يدل إلا على بعض القواعد ؛ وبها نظر .
والله أعلم .
واحتج الجمهور بحجة أخرى ، وهي صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعض ثوبه على زوجه ، كما يأتي
ذلك قريباً ، وسنذكر هناك وجه الاستدلال بذلك ، والجواب عنه إن شاء الله تعالى .
(1) هو من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه ، وقد جاء عنه من طرق :
الطريق الأول : عن فُلَيح بن سليمان عن سعيد بن الحارث قال :
دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به ، ورداؤه قريب ، لو
تناوله ؛ بلغه ، فلما سلّم ؛ سألناه عن ذلك ؟ فقال :
إنما أفعل هذا ليراني الحمقى أمثالكم ؛ فَيُفْشوا على جابر رخصةً رخصها رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم قال جابر :
خرجت مع رسول الله في بعض أسفاره ، فجئته ليلة وهو يصلي في ثوب واحد ،
وعليَّ ثوب واحد ، فاشتملت به ، ثم قمت إلى جنبه . قال :
" جابرُ ! ما هذا الاشتمال ؟ إذا صليت ... " فذكر الحديث .
أخرجه البخاري (1/375 - 376) ، والبيهقي (2/238) ، وأحمد (3/328)
والسياق له .
(1/160)


................................................................................
__________
وفي رواية الآخَرَين التصريح بأنه عليه الصلاة والسلام قال له ذلك بعد الانصراف
من الصلاة .
الطريق الثاني : عن حاتم بن إسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبي حَزْرَة عن عبادة
ابن الوليد بن عبادة بن الصامت قال :
أتينا جابر بن عبد الله في مسجده وهو يصلي ... فذكره بنحوه . ولفظ المرفوع :
" إذا كان واسعاً ؛ فخالف بين طرفيه ، وإذا كان ضيقاً ؛ فاشدده على حَقوك " .
أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل (8/231 - 234) ، وأبو داود (1/103) ،
والبيهقي (2/239) ، وكذا الحاكم (1/254) وقال :
" صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي ! فوهم في الاستدراك
على مسلم .
الطريق الثالث : عن شُرحبيل بن سعد أنه دخل على جابر وهو يصلي ... الحديث
نحوه . وشرحبيل : صدوق اختلط بآخره - كما في " التقريب " - ، وبقية رجاله عند أحمد
رجال الشيخين . وله :
طريق رابع : بلفظ مختصر عن ابن جريج قال : قال أبو الزبير : قال جابر : قال
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" من صلى في ثوب واحد ؛ فلينعطف به " .
ورجاله على شرط مسلم ؛ لكن ابن جريج وشيخه أبو الزبير مدلسان ، ولم يصرحا بالسماع .
والحديث نص واضح في التفريق بين الثوب الواسع والضيق ؛ فيجب الالتحاف
بالأول - لظاهر الأمر - ، دون الثاني ؛ فيجوز الائتزار به بدون كراهة . وهو مذهب أحمد
وغيره من السلف ، وهو الحق إن شاء الله تعالى - كما سبق بيانه فيما تقدم قريباً - .
(1/161)


و " قال له رجل : أيصلي أحدنا في ثوب واحد ؟ فقال :
" أَوَ كلكم يجد ثوبين ؟! " " (1) .
__________
(1) هو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد جاء عنه من ثلاثة طرق :
الطريق الأول : أخرجه مالك (1/128) ، وعنه محمد في " موطئه " (113) ،
والبخاري (1/374) ، ومسلم (2/61) ، وأبو داود (1/102) ، والنسائي (1/124) ،
والطحاوي (1/221) ، والبيهقي (2/237) ؛ كلهم عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد
ابن المسيب عنه .
ورواه ابن ماجه (1/334) ، وأحمد (2/278) من حديث سفيان بن عيينة عن
الزهري به .
الطريق الثاني : أخرجه البخاري (1/378) ، ومسلم ، والدارمي (1/318) ،
والطحاوي ، والدارقطني (105) ، والبيهقي (2/236) ، والطيالسي (326) ، وأحمد
(2/230 و 495 و 498 و 499) ، والطبراني في " الصغير " (ص 28 و 231) من طرق
كثيرة عن محمد بن سيرين عنه به .
الطريق الثالث : أخرجه مسلم ، والطحاوي ، وأحمد (2/265 و 285 و 345) من
طرق عن الزهري عن أبي سلمة عنه به .
وتابعه محمد بن عمرو عن أبي سلمة .
أخرجه الطحاوي ، وأحمد (2/501) .
وله شاهد من حديث طلق بن علي قال :
خرجنا إلى نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفداً حتى قدمنا عليه ، فبايعناه ، وصلينا معه . فجاء
رجل ، فقال : يا نبي الله ! ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد ؟ فأطلق نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إزاره ، وطارق به رداءه ، واشتمل بهما ، وقام يصلي بنا ، فلما قضى الصلاة ؛ قال :
(1/162)


................................................................................
__________
" أوكلكم يجد ثوبين ؟! " .
أخرجه أبو داود ، والطحاوي (1/222) ، والبيهقي (2/240) ، وأحمد (4/22) من طريق
ملازم بن عمرو الحنفي : ثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه به . واللفظ للبيهقي .
وهذا إسناد صحيح .
وتابعه محمد بن جابر بن يسار بن طارق الحنفي عن عبد الله مختصراً .
أخرجه أحمد (4/23) .
ثم أخرجه هو ، والطحاوي من طريق أخرى عن أبان بن يزيد قال : ثنا يحيى بن أبي
كثير عن عيسى - وفي الطحاوي : عثمان ! وهو تحريف - ابن خثيم عن قيس بن طلق :
أن أباه شهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وسأله رجل عن الصلاة في الثوب الواحد ، فلم يقل
له شيئاً ، فلما أقيمت الصلاة ؛ طارق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين ثوبيه ، فصلى فيهما .
وإسناده حسن . رجاله كلهم ثقات مشهورون ، غير عيسى بن خثيم - وهو : الحنفي
اليمامي - : وثقه ابن حبان ؛ وقد روى عنه جماعة غير يحيى بن أبي كثير .
وقد تابعه أيوب بن عتبة عن قيس .
أخرج الطيالسي ذلك ، وزاد البخاري والدارقطني والبيهقي في حديث محمد بن سيرين :
ثم قام رجل إلى عمر ، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد . وقال الدارقطني :
" فلما كان عمرُ ؛ قام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! أيصلي الرجل في الثوب
الواحد ؟ فقال :
إذا وسع الله عليكم ؛ فأوسعوا . جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ،
في إزار وقميص ، في إزار وقَباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل
- قال : وأحسبه قال : - في تُبّان وقباء ، في تبّان وقميص ، في تبّان ورداء " . ا هـ .
(1/163)


................................................................................
__________
قوله : (طارَقَ بينهما) ؛ أي : طابق بينهما ، فجعلهما كأنهما ثوب واحد ، فصلى
بهما . يريد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبين للسائل جواز الصلاة في الثوب الواحد مع وجود الآخر ، فكيف
إذا لم يوجد غيره ؟!
وقوله : (التبان) - بضم المثناة ، وتشديد الموحدة - : وهو على هيئة السراويل ؛ إلا أنه
ليس له رجلان . قال ابن الملك :
" تضمّن هذا الحديث فائدتين :
إحداهما : ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر ؛ وهو قوله : " صلى " . والمعنى : لِيُصَلّ .
ومثله قولهم : " اتقى اللهَ عبدٌ " . والمعنى : لِيَتَّقِ .
ثانياً : حذف حرف العطف ؛ فإن الأصل : صلى رجل في إزار ورداء ، وإزار
وقميص . ومثله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" تصدق امرؤ من ديناره ، من درهمه ، من صاع بره " " . ا هـ . " الفتح " .
وقال النووي :
" ومعنى الحديث : أن الثوبين لا يقدر عليهما كل واحد ، فلو وجبا ؛ لعجز من لا
يقدر عليهما عن الصلاة ، وفي ذلك حرج ، وقد قال الله تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .
وأما صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة رضي الله عنهم في ثوب واحد ؛ ففي وقت كان
لعدم ثوب آخر ، وفي وقت - كان مع وجوده - لبيان الجواز ؛ كما قال جابر :
ليراني الجهال .
وإلا ؛ فالثوبان أفضل ؛ لما سبق " . انتهى . وقال أبو زرعة في " طرح التثريب " (2/239) :
" واستُدل به على أن الصلاة في ثوبين أفضل لمن قدر على ذلك ؛ لأنه عليه الصلاة
(1/164)


................................................................................
__________
والسلام أشار إلى أن المعنى في ذلك ضِيْقُ الحال ، وعجز بعض الناس عن ثوبين ؛ فدلَّ
على أن الأكمل ثوبان ؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه :
إذا وسع الله عليكم ؛ فأوسعوا . ولا خلاف في ذلك - كما صرح به القاضي عياض وغيره - " .
(فائدة) : قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " الترمذي " (2/ 168 - 169)
- بعد ذكر هذا الحديث ، وحديث جابر المتقدم - :
" وقد فرَّع الفقهاء هنا فروعاً كثيرة ، وتجد العلماء ينكرون على من يصلي في بعض
ثيابه ويدع بعضها ، وخصوصاً من يصلي مكشوف الرأس ؛ يزعمون الكراهة ! ولا دليل
لهم على هذا . ومن البديهي أن من يصلي في ثوب واحد - يشتمل به أو يتزر - ؛ لا
يكون على رأسه عمامة ، ولم يرد أي حديث - فيما نعلم - يدل على كراهة الصلاة
مكشوف الرأس " .
قلت : ذكر الشعراني في " كشف الغمة " (1/70) :
وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر بستر الرأس في الصلاة بالعمامة أو القلنسوة ، وينهى عن كشف
الرأس في الصلاة ، ويقول :
" إذا أتيتم المساجد ؛ فأتوها معصّبين " . والعصابة هي : العمامة " . ا هـ .
وهذه أخبار غريبة لم نجد لها أصلاً في شيء من الكتب التي عندنا ! وكتاب
الشعراني هذا مليء بمثل هذه الأخبار الغريبة ، وبالأحاديث الضعيفة الواهية ؛ فقد جمع
فيه ما صح وما لم يصح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأقوال والأفعال في سيرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ !
لكن ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر من نفي كراهة كشف الرأس في الصلاة ،
واستدلاله بجواز الصلاة في الثوب الواحد ؛ غير سديد ؛ وذلك لأنا قد بَيَّنَّا - فيما سبق -
أن الصلاة في الثوبين أفضل لمن وجد ذلك ، فمن لم يفعل وصلى في ثوب واحد ؛ فقد
ارتكب الكراهة ، فحديث أبي هريرة يفيد جوازاً مرجوحاً بالشرط المذكور ، فكذلك من
(1/165)


................................................................................
__________
صلى مكشوف الرأس وعنده ما يستره ؛ فهو مكروه ، ومن لا ؛ فلا .
هذا يقال فيما إذا كانت الأخبار الواردة في الصلاة في الثوب الواحد تشمل حتى
صلاة مكشوف الرأس كما يريد الشيخ المذكور أن يفهم ذلك منها . ونحن نخالفه في
ذلك ، ونزعم أن تلك الأحاديث لا تتعرض لكشف الرأس مطلقاً ؛ بل لستر ما دونه من
البدن ؛ وذلك لأن المعهود من سيرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يتعمم ، أو يَتَقَلْنَسُ ، وكذلك كان
أصحابه ، فلو أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينما صلى في الثوب الواحد صلى مكشوف الرأس ؛ لذكر ذلك
من روى صلاته تلك ، لا سيما وهم جمع غفير - كما سبق - ، فعدم روايتهم لذلك دليل
على أنه صلى صلاته المعتادة ؛ إلا فيما ذكروه من اقتصاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الثوب الواحد لبدنه .
ومثل هذا الأمر لا يقال فيه : إن الأصل العدم ، فمن ادعى الثبوت ؛ فعليه الإثبات !
لأننا بيَّنا أن المعتاد منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستر الرأس ؛ فالأصل هنا ثابت ، فمن ادعى خلافه ؛ فعليه
الدليل ولو كان نافياً ، وليس مَن نفى لا يطالب بالدليل دائماً - كما هو مقرر في موضعه - ،
فثبت بذلك أن هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاةُ مستورَ الرأس (*) . وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" صلوا كما رأيتموني أصلي " .
فأقل ما يستفاد من مجموع الفعل والأمر الاستحباب ، وعكسه الكراهة ، ويؤيد
ذلك أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمر بالصلاة في النعلين مخالفةً لليهود - كما سبق في محله - ،
فالقياس ، وعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار - لا سيما في عبادتهم - ، كل
ذلك يقتضي كراهة الصلاة حاسر الرأس ؛ لأن ذلك من التشبّه بالنصارى حينما يقومون في
عبادتهم حاسرين - كما هو مشهور عنهم - ، فهل المخالفة في الأرجل أقوى ، أم في الرؤوس ؟!
هذا ما ظهر لي في هذا المقام . والله تعالى هو الموفق .
__________
(*) وانظر " تمام المنة " (ص 164) ؛ ففيه مزيد بيان .
(1/166)


وقال له آخر (1) :
" إني أصيد (2) ؛ أفأصلي في القميص الواحد ؟ قال :
__________
(1) هو سلمة بن الأكوع .
أخرجه عنه أبو داود (1/102) ، والطحاوي (1/222) ، والحاكم (1/250) ،
والبيهقي (2/240) من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ : ثنا موسى بن إبراهيم عنه .
وقد تابعه عَطَّاف بن خالد المخزومي عن موسى .
أخرجه النسائي (1/124) ، وأحمد (4/49) ، وصرح موسى بسماعه من سلمة في
رواية عنده .
وكذا أخرجه البخاري في " تاريخه " ، وكذلك صرح في رواية الحاكم .
وأخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في " صَحيحَيهِما " - كما في " الفتح " و " التهذيب " - .
وأخرجه الشافعي في " الأم " (1/78) من الطريقين فقال : أخبرنا العطاف بن خالد
وعبد العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
أبي ربيعة به .
وهذا سند حسن - كما قال في " المجموع " (3/4 و 110) - ؛ موسى هذا : قال ابن
المديني :
" وسط " . وذكره ابن حبان في " الثقات " . وقال الحاكم :
" صحيح " . ووافقه الذهبي .
(2) إنما ذكر الصيد لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفاً ؛ ليس عليه ما يشغله عن
الإسراع في طلب الصيد . قاله ابن الأثير في شرحه لـ " المسند " [ يعني : " مسند
الشافعي " ] - كما في " النيل " (2/61) - . =
(1/167)


" نعم ، وزُرَّهُ (1) ولو بشوكة " " .
__________
= ثم أخرجه البخاري عن إسماعيل بن أبي أُوَيْس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم
عن أبيه عن سلمة . زاد في الإسناد رجلاً . قال الحافظ :
" فاحتمل أن يكون من المزيد في متصل الأسانيد ، أو يكون التصريح في رواية
عطاف وهماً ؛ فهذا وجه النظر في إسناده - يعني الذي قاله البخاري في " صحيحه " ؛
وقد ذكر الحديث معلقاً ، وقال : في إسناده نظر . ثم قال : - ، وأما من صححه ؛ فاعتمد
رواية الدراوردي ، وجعل رواية عطاف شاهدة ؛ لاتصالها " . ا هـ .
(1) بتقديم المعجمة على المهملة المشددة ؛ من باب (نَصَرَ) والمراد : ربِّطْ جيبه ؛ لئلا
تظهر عورتك ، ثم صلِّ فيه . " سِنْدِي " .
قلت : وأما ما أخرجه الحاكم (1/250) ، وعنه البيهقي (2/240) من طريق الوليد
ابن مسلم : ثنا زهير بن محمد التميمي : ثنا زيد بن أسلم قال :
رأيت ابن عمر يصلي محلول إزارِه ، فسألته عن ذلك ؟ فقال :
رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعله . قال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا ؛ لكن قال البيهقي :
" تفرد به زهير بن محمد ، وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال : سألت محمداً
- يعني : البخاري - عن حديث زهير هذا ؟ فقال :
أنا أتقي هذا الشيخ ؛ كأن حديثه موضوع ، وليس هذا عندي زهير بن محمد ، وكان
أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ ، ويقول : هذا شيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه .
وأشار البخاري إلى بعض هذا في " التاريخ " ، وروى ذلك عن ابن عمر من أوجه دون
السند " . ا هـ .
(1/168)


................................................................................
__________
والحديث رواه ابن خزيمة في " صحيحه " عن الوليد بن مسلم عن زيد .
كذا ذكره في " الترغيب " (1/42) ، وأورده في " المجمع " (1/175) ، فقال :
"رواه البزار ، وأبو يعلى . وفي إسنادهما عمرو بن مالك ، ذكره ابن حبان في
" الثقات " ؛ قال :
يغرب ويخطئ " . ا هـ .
قلت : وهو الراسبي ، وهو ضعيف - كما في " التقريب " - ، وهو من شيوخ الترمذي ؛
فهو متأخر الطبقة عن الوليد بن مسلم ، وقد روى عنه ؛ فلعل هذا الحديث من روايته
عنه ، فإن كان كذلك ؛ فقد تابعه صفوان بن صالح في رواية الحاكم ، وهو ثقة ؛ كما في
" التقريب " ، قال :
" وكان يدلس تدليس التسوية " .
قلت : وقد صرح بسماعه من الوليد ، وكذلك صرح سائر الرواة بسماع بعضهم من
بعض - كما رأيت - ؛ فلا علة للحديث ؛ إلا إن صح ما قاله البخاري وأحمد في زهير بن
محمد .
والقصد : أن هذا الحديث محمول على أن القميص كان ضيق الجيب بحيث لا
ترى منه العورة ، أو أنه لم يكن وحده ؛ بل كان تحته ثوب آخر . والله أعلم .
واختلف العلماء في الذي يصلي في قميص واسع الجيب بحيث تُرى عورتُه
منه ؛ فذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الصلاة باطلة لا تجزئه ، وهو نصه في " الأم "
(1/78) .
وعند أبي حنيفة ومالك : تصح صلاته ؛ كما لو رآها غيره من أسفل ذيله - كما في
" المجموع " للنووي (3/174 - 175) - .
(1/169)


وكان يصلي في مِرْطٍ بعضُه على زوجه وهي حائض (1) .
وكان يصلي في الثوب الذي يصيب فيه أهله إذا لم يَرَ فيه أذىً (2) .
وكان يصلي المغرب في فَرُّوج من حرير - وهو القَباء - ، فلما قضى
صلاته ؛ نزعه نزعاً شديداً كالكاره له ، ثم ألقاه ، ثم قال :
" لا ينبغي هذا للمتقين " (3) .
وقد " صلى في خَمِيْصَةٍ (4) لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها نظرة ، فلما
انصرف ؛ قال :
" اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ ، وائتوني بأنْبِجَانِيَّة (5) أبي
جهم ؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي (وفي رواية : فإني نظرتُ إلى عَلَمِها
في الصلاة ، فكاد يفتنني) " " (6) .
__________
(1) [ أخرجه ] مسلم (2/61) ، وأبو داود (1/61) ، وابن ماجه (1/234) ،
والدارمي (1/188) ، والبيهقي (2/239) .
(2) [ أخرجه ] أبو داود (1/61) .
(3) [ أخرجه ] البخاري (1/385 و 10/222) ، [ ومسلم ] ، والنسائي (1/125) ،
وأحمد (4/143 و 149 و 150) .
(4) { ثوب خزّ أو صوف معلّم } .
(5) كساء غليظ لا عَلَم له .
(6) { [ أخرجه ] البخاري ، ومسلم ، ومالك . وهو مخرج في " الإرواء " (376) } .
(1/170)


[ المرأة تصلي بخمار ]
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمِار " (1) .
__________
(1) أخرجه أبو داود (1/104) ، والترمذي (2/215) ، وابن ماجه (1/224) ،
والحاكم (1/251) ، والبيهقي (2/233) ، وابن حزم في " المحلى " (3/219) ، وأحمد
(6/150 و 218 و 259) ؛ كلهم عن حماد بن سلمة ، إلا ابن حزم ؛ فعن حماد بن زيد ؛ كلاهما
عن قتادة عن ابن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة مرفوعاً به . وقال الترمذي :
" حديث حسن " . والحاكم :
" صحيح على شرط مسلم " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
ورواه أيضاً ابن خزيمة ، وابن حبان في " صحيحيهما " ، وإسحاق بن راهويه ؛ كما في
" نصب الراية " (1/295) ، وعزاه الطيالسي أيضاً في " مسنده " ؛ ولم أره فيه . والله أعلم .
وأعل بعضهم الحديث بأنه روي من طرق عن ابن سيرين عن عائشة - كما رواه
أحمد (6/96 و 238) ؛ فهو منقطع - ، وعن الحسن : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ...
فذكره .
أخرجه الحاكم والبيهقي .
فهو مرسل . وليس هذا بعلة قادحة ؛ فإن من وصل ثقة ، وقد جاء بزيادة ؛ فوجب
قبولها .
وللحديث شاهد من حديث أبي قتادة بلفظ :
" لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواريَ زينتها ، ولا من جارية بلغت المحيض حتى
تختمرَ " .
(1/171)


................................................................................
__________
أخرجه الطبراني في " الصغير" (190) وفي " الأوسط " أيضاً .
وفيه من لا يعرف .
قوله : " حائض " ؛ قال الترمذي :
" يعني: المرأة البالغ ، يعني : إذا حاضت " ، قال :
" والعمل عليه عند أهل العلم : أن المرأة إذا أدركت ، فصلَّت وشيء من شعرها
مكشوف ؛ لا تجوز صلاتها . وهو قول الشافعي ؛ قال :
لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف . قال الشافعي :
وقد قيل : إن كان ظهر قدميها مكشوفاً ؛ فصلاتها جائزة " .
قلت : وقال في " الأم " (1/77) :
" وكل المرأة عورة ؛ إلا كفيها ووجهها " . ا هـ .
وقد يحتج لذلك بما روي عن أم سلمة :
أنها سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أتصلي المرأة في درع وخمار ، وليس عليها إزار ؟ قال :
" إذا كان الدرع سابغاً ؛ يغطي ظهور قدميها " .
ولكنه حديث ضعيف مرفوعاً .
أخرجه أبو داود (1/104) ، والحاكم (1/250) ، وعنه البيهقي (2/233) من طريق
عثمان بن عمر : ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد بن قُنفُذ عن أمه
عنها . وقال الحاكم :
" صحيح على شرط البخاري " . ووافقه الذهبي . قال أبو داود :
" روى هذا الحديث مالك بن أنس ، وبكر بن مضر ، وحفص بن غياث ، وإسماعيل
(1/172)


................................................................................
__________
ابن جعفر ، وابن أبي ذئب ، وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة . لم
يذكر أحد منهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ قصروا به على أم سلمة رضي الله عنها " .
قلت : فقد تفرد برفعه عبد الرحمن بن عبد الله هذا ، وهو صدوق يخطئ - كما في
" التقريب " - . وقال في " التلخيص " (4/89) :
" وأعله عبد الحق بأن مالكاً وغيره رووه موقوفاً . وهو الصواب " .

* * *
(1/173)

0 التعليقات :

إرسال تعليق

يسعدني تفاعلكم