Featured Video

ضع بريدك الالكتروني:

Delivered by FeedBurner

صفة صلاة النبي للألباني ( الاعتماد على عمود ونحوه في الصلاة )

[ الاعتماد على عمود ونحوه في الصلاة ]

ولمَّا أسنَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكبر ؛ اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه (1) .
__________
يقدر أن يصلي قائماً ؛ فأحب إليَّ أن يعيد . قال أبو داود :
سمعت أحمد سُئل عن الصلاة في السفينة ؟ قال : قائماً إن استطاع " . ونحوه في
" مسائل " ابنه عبد الله ، لكنه لم يذكر الإعادة .
والحديث قال البيهقي :
" حديث حسن " . وأقره العراقي - كما في " فيض القدير " - .
{ (فائدة) : وحكم الصلاة في الطائرة كالصلاة في السفينة : أن يصلي قائماً إن
استطاع ، وإلا ؛ صلى جالساً إيماءً بركوع وسجود } .
(1) أخرجه أبو داود (1/150) ، والحاكم (1/264) ، وعنه البيهقي (2/288) من
طريق شيبان بن عبد الرحمن عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال :
قدمت الرقة ، فقال لي بعض أصحابي : هل لك في رجل من أصحاب
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟! قال : قلت : غَنِيمَةٌ . فدفعنا إلى وابصة . قلت لصاحبي : نبدأ فننظر إلى
دَلِّهِ ، فإذا عليه قلنسوة لاطئةٌ ذاتُ أذنين ، وبرنسُ خزٍّ أغبرُ ، وإذا هو معتمد على عصا في
صلاته ، فقلنا بعد أن سَلَّمنا ؟ فقال : حدثتني أم قيس بنت محصن :
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أسن وحمل اللحم ؛ اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه . وقال
الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . ووافقه الذهبي .
قلت : هلال بن يساف إنما أخرج له البخاري في " صحيحه " تعليقاً ؛ فالحديث على
شرط مسلم وحده . { وقد خرجته في " الصحيحة " (319) ، و " الإرواء " (383) } .
(1/102)


................................................................................
__________
= قال الشوكاني : (2/284) :
" الحديث يدل على جواز الاعتماد في الصلاة على العمود والعصا ونحوهما ، لكنْ
مقيداً بالعذر المذكور ؛ وهو الكبر وكثرة اللحم ، ويلحق بهما الضعف ، والمرض ،
ونحوهما ، وقد ذكر جماعة من العلماء أن من احتاج في قيامه إلى أن يتكئ على عصا ،
أو عكاز ، أو يسند إلى حائط ، أو يميل على أحد جنبيه من الألم ؛ جاز له ذلك . وجزم
جماعة من أصحاب الشافعي باللزوم ، وعدم جواز القعود مع إمكان القيام مع
الاعتماد " . ا هـ .
وممن نص على جواز الاعتماد في الصلاة : الإمام مالك ؛ فقال :
" إن شاء ؛ اعتمد ، وإن شاء ؛ لم يعتمد . وكان لا يكره الاعتماد ، وقال : ذلك على
قدر ما يرتفق به ، فلينظر ما هو أرفق به ؛ فليصنعه " . كذا في " المدونة " (1/74) .
والظاهر أنه يريد بذلك النافلة ، ولو بدون ضرورة . وقد قال القاضي عياض - كما في
" المجموع " (3/264 - 265) - :
" وأما الاتكاء على العصي ؛ فجائز في النوافل باتفاقهم ، إلا ما نقل عن ابن سيرين
من كراهته ، وأما في الفرائض ؛ فمنعه مالك والجمهور وقالوا : من اعتمد على عصا أو
حائط ونحوه بحيث يسقط لو زال ؛ [ لم تصح صلاته ] (*) ... " إلخ .
وقد روى البيهقي عن الحجاج عن عطاء قال :
كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتكئون على العصي في الصلاة .
والحجاج هذا - هو : ابن أرطاة - ، وهو مدلس ، وقد عنعنه .
__________
(*) استدراك من " المجموع " .
(1/103)


القيام والقُعود في صلاة الليل
و " كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ليلاً طويلاً قائماً ، وليلاً طويلاً قاعداً ، وكان إذا قرأ
قائماً ؛ ركع قائماً ، وإذا قرأ قاعداً ؛ ركع قاعداً " (1) .
و " كان أحياناً يصلي جالساً ، فيقرأ وهو جالس ، فإذا بقي من قراءته
قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية ؛ قام فقرأها وهو قائم ، ثم ركع وسجد ، ثم
يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك " (2) .
__________
(1) أخرجه مسلم (2/162 - 163) ، وأبو داود (1/151) ، والنسائي (1/244) ،
والترمذي (2/203) ، وابن ماجه (1/370) ، وابن نصر في " قيام الليل " (81 و 84) ،
والطحاوي (1/200) ، والبيهقي (2/486) ، وكذا الحاكم (1/286 و 315) ، وأحمد
(6/98 و 100 و 112 و 113 و 166 و 204 و 227 و 236 و 241 و 262) من طرق عن
عبد الله بن شقيق العُقيلي . قال :
سألت عائشة عن صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالليل ؟ فقالت :
كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً ، وليلاً طويلاً قاعداً ، وكان إذا قرأ قائماً ؛ ركع قائماً ،
وإذا قرأ قاعداً ؛ ركع قاعداً . وفي لفظ : صلى ... بدل : قرأ .
وقد زعم الحاكم أنه أخرجه الشيخان ! وهو وهم منه ؛ فإنه ليس عند البخاري ،
وليس عبد الله بن شقيق من رجاله في " صحيحه " . ويأتي الكلام على الحديث ، وأنه لا
تعارض بينه وبين الحديث الذي بعده ، بل كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل هذا تارة ، وهذا تارة ؛ كما
ذهب إليه الحافظ ابن حجر ؛ تبعاً لشيخه الحافظ العراقي ، وقد ذكر كلامه في ذلك
الشوكاني في " النيل " (3/70 - 71) . فراجعه إن شئت .
(2) أخرجه مالك في " الموطأ " (1/157) عن عبد الله بن يزيد المدني وعن أبي
النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(1/104)


................................................................................
__________
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي جالساً ؛ فيقرأ وهو جالس . فإذا بقي ... الحديث .
ومن طريقه أخرجه البخاري (2/471) ، ومسلم (2/163) ، وأبو داود (1/151) ،
والنسائي (1/244) ، والترمذي (2/213) - وليس في سنده : (عبد الله بن يزيد المدني) - ،
والطحاوي (1/200) ، والبيهقي (2/490) ، وأحمد (6/178) ؛ كلهم عن مالك به .
ثم أخرجه في " الموطأ " من طريق أخرى عن هشام بن عروة عن أبيه عنها أنها
أخبرته :
أنها لم تر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي صلاة الليل قاعداً قط حتى أسن ؛ فكان يقرأ
قاعداً ... الحديث بنحوه ؛ دون قوله : وسجد ... إلخ .
وقد أخرجه من طريق مالك من ذكرنا في الرواية الأولى عدا مسلماً وأبا داود
والترمذي والنسائي ؛ فقد أخرجوه - إلا الترمذي - من طرق أخرى عن هشام به .
وكذلك أخرجه ابن ماجه (1/369) ، وأحمد (6/46 و 52 و 125 و 183 و 204
و 231) ، وكذا الطحاوي ، وابن نصر (81) .
وله عند مسلم ، وابن ماجه ، والبيهقي ، وأحمد (6/217) طريق ثالث عن عَمرة
عنها . قال الحافظ في " الفتح " (3/26) :
" فيه رد على من اشترط على من افتتح النافلة قاعداً أن يركع قاعداً ، أو قائماً أن
يركع قائماً ، وهو محكي عن أشهب ، وبعض الحنفية ، والحجة فيه ما رواه مسلم وغيره
من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفيه :
كان إذا قرأ قائماً ؛ ركع قائماً ، وإذا قرأ قاعداً ؛ ركع قاعداً .
وهذا صحيح ، ولكن لا يلزم منه منع ما رواه عروة عنها ، فيُجمع بينهما بأنه كان
يفعل كلاً من ذلك بحسب نشاطه . والله أعلم " . ا هـ .
(1/105)


{ وإنما " صلى السُّبحَة قاعداً في آخر حياته لما أسَنَّ ؛ وذلك قبل وفاته
بعام " (1) } .
و " كان يجلس متربعاً " (2) .
__________
وهذا هو الحق ، وإليه ذهب أحمد وإسحاق ؛ فقال الترمذي (2/212) - بعد أن ذكر
الحديثين - :
" قال أحمد وإسحاق : والعمل على كلا الحديثين . كأنَّهما رَأَيَا كلا الحديثين
صحيحاً معمولاً بهما " . وما نقله الحافظ عن بعض الحنفية ذكر الطحاوي خلافه عن
الأئمة الثلاثة وهو : أن الأولى الأخذ بحديثها الأول دون حديث ابن شقيق عنها .
(1) { رواه مسلم ، وأحمد ، [ وسبق تخريجه في (القيام) (ص 79) ] } .
(2) أخرجه النسائي (1/245) ، ومن طريقه الدارقطني (152) ، والحاكم
(1/275) ، والبيهقي (2/305) ، وابن حبان أيضاً من طريق أبي داود الحَفَري عن
حفص بن غياث عن حميد عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت :
رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي متربعاً (*) . وقال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . ووافقه الذهبي ؛ فوهما ، وإنما هو على شرط مسلم ؛
فإن أبا داود الحفري - بفتح المهملة والفاء - لم يخرج له البخاري .
والحديث أعله النسائي بقوله :
" لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير أبي داود ، وهو ثقة ، ولا أحسب هذا الحديث
إلا خطأ . والله تعالى أعلم " . قال الحافظ في " التلخيص " (3/287) :
" وقد رواه ابن خزيمة { (1/107/2) = [2/89/978] } ، والبيهقي من طريق محمد
ابن سعيد بن الأصبهاني بمتابعة أبي داود ؛ فظهر أنه لا خطأ " .
__________
(*) وعزاه الشيخ في " الصفة " المطبوع (ص 80) لـ " عبد الغني المقدسي في " السنن " (80/1) " .
(1/106)


................................................................................
__________
وروى البيهقي عن حميد قال :
رأيت أنس بن مالك يصلي متربعاً على فراشه .
وسنده صحيح على شرطهما . قال الحافظ :
" وعلقه البخاري " . قال الشوكاني (3/71) :
" والحديث يدل على أن المستحب لمن صلى قاعداً أن يتربع ، وإلى ذلك ذهب أبو
حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، وهو أحد القولين للشافعي ، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى
أنه يجلس مفترشاً ، كالجلوس بين السجدتين ، وحكى صاحب " النهاية " عن بعض
الحنفيين أنه يجلس متوركاً ؛ قال :
وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل ، وقد وقع الاتفاق على أنه يجوز له أن يقعد على
أي صفة شاء من القعود " .

* * *
(1/107)


الصلاةُ في النِّعال والأمْرُ بها
و " كان يقف حافياً أحياناً ، ومنتعلاً أحياناً " (1) .
وأباح ذلك لأمته ؛ فقال :
" إذا صلى أحدكم ؛ فليلبس نعليه ، أو ليخلعهما بين رجليه ، ولا يُؤْذِي
بهما غيره " (2) .
__________
(1) { رواه أبو داود ، وابن ماجه . وهو حديث متواتر - كما ذكر الطحاوي - } (*) .
(2) أخرجه الحاكم (1/259) عن عبد الله بن وهب : أخبرني عياض بن عبد الله
القرشي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة . وقال :
" صحيح على شرط مسلم " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
وأخرجه أبو داود (1/106) ، والحاكم أيضاً (260) ، والبيهقي (2/432) من طريق
الأوزاعي : ثنا محمد بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة به بلفظ :
" إذا صلى أحدكم فخلع نعليه ؛ فلا يؤذ بهما أحداً ؛ ليجعلهما بين رجليه ، أو ليصل
فيهما " .
وهذا إسناد على شرط الشيخين ، وقد زاد فيه : أبا سعيد المقبري . ولعله الأصح ،
ويحتمل أن يكون سعيد سمعه من أبيه ، ثم رواه عن أبي هريرة مباشرة بدون واسطة
أبيه ، ومثل هذا كثيراً ما يقع في الروايات . والله أعلم .
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً في حديث بلفظ :
" فإذا جاء أحدكم المسجد ؛ فليقلب نعليه فلينظر ؛ فيهما خَبَثٌ ؟ فإن وجد فيهما
خبثاً ؛ فليمسحهما بالأرض ، ثم ليصل فيهما " .
__________
(*) تخريج هذا الحديث واقعٌ في صفحة مفقودة من أصل الشيخ رحمه الله ؛ لذا نقلنا تخريجه
المختصر من " صفة الصلاة " المطبوع .
(1/108)


وأكد عليهم الصلاة فيهما أحياناً ؛ فقال :
" خالفوا اليهود ؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خِفافهم " (1) .
__________
وهو حديث صحيح - كما سيأتي بيانه - ؛ قال الشيخ أحمد الطحطاوي في
" حاشيته على مراقي الفلاح " (1/93) :
" فيه دليل على استحباب الصلاة في النعال الطاهرة ، وهو منصوص عليه في
المذهب " . ا هـ .
(1) أخرجه أبو داود (1/105) ، والحاكم (1/260) ، ومن طريقه البيهقي
(2/432) عن قتيبة بن سعيد : ثنا مروان بن معاوية الفزاري عن هلال بن ميمون الرملي
عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه مرفوعاً به . وقال الحاكم :
" صحيح الإسناد " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا . ورجاله كلهم ثقات .
وأخرجه ابن حبان أيضاً في " صحيحه " ، { والطبراني (7/348/7164 و 7165) } .
قال الشوكاني (2/109) :
" ولا مطعن في إسناده " . وقال الزين العراقي في " شرح الترمذي " :
" إسناده حسن " - كما في " فيض القدير" - .
قلت : وله شاهد من حديث أنس مرفوعاً :
" خالفوا اليهود ، وصلوا في خفافكم ونعالكم ؛ فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم " .
رواه البزار (1) ، وفيه عمر بن نبهان ، وهو ضعيف - كما في " المجمع " (2/54) - .
قلت : وهذا الحديث يفيد استحباب الصلاة في النعال ؛ لأنه أمر بذلك ، وعلَّله
بمخالفة اليهود ، وأقل ما يستفاد منه الاستحباب ، وإن كان ظاهره الوجوب ؛ فإنه غير
مراد ؛ بدليل قوله في الحديث الذي قبله :
__________
(1) { (53 - زوائده) } .
(1/109)


وكان ربما نزعهما من قدميه وهو في الصلاة ، ثم استمر في صلاته ؛
كما قال أبو سعيد الخدري :
" صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم ، فلما كان في بعض صلاته ؛ خلع
نعليه ، فوضعهما عن يساره ، فلما رأى الناس ذلك ؛ خلعوا نعالهم . فلما
قضى صلاته ؛ قال :
" ما بالكم ألقيتم نعالكم ؟ " .
قالوا : رأيناك ألقيت نعليك ؛ فألقينا نعالنا . فقال :
" إن جبريل أتاني ، فأخبرني أن فيها قذراً - أو قال : أذى - (وفي رواية :
خبثاً) ؛ فألقيتهما ، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد ؛ فلينظر في نعليه : فإن
رأى فيهما قذراً - أو قال : أذى - (وفي الرواية الأخرى : خبثاً) ؛
فليمسحهما ، ولْيصلِّ فيهما " (1) .
__________
" إذا صلى أحدكم ؛ فليلبس نعليه ، أو ليخلعهما " .
فهذا يفيد التخيير ، ولكنه لا ينافي الاستحباب ؛ كما في حديث :
" بين كل أذانين صلاة لمن شاء " . قال الشوكاني :
" وهذا أعدل المذاهب ، وأقواها عندي " . وإليه ذهب الحافظ في " الفتح " (1/393) ؛
حيث قال - بعد أن ساق الحديث - :
" فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة " .
(1) { [ أخرجه ] أبو داود ، وابن خزيمة ، والحاكم وصححه ، ووافقه الذهبي والنووي .
وهو مخرج في " الإرواء " (284) ، [ و " صحيح سنن أبي داود " (657) ] } (*) .
__________
(*) تخريج هذا الحديث واقعٌ في صفحة مفقودة من أصل الشيخ رحمه الله ؛ لذا نقلنا تخريجه
المختصر من " صفة الصلاة " المطبوع .
(1/110)


و " كان إذا نزعهما ؛ وضعهما عن يساره " (1) . وكان يقول :
" إذا صلى أحدكم ؛ فلا يضع نعليه عن يمينه ، ولا عن يساره ؛ فتكونَ
عن يمين غيره ؛ إلا أن لا يكون عن يساره أحد ، وليضعهما بين رجليه " (2) .
__________
(1) أخرجه أبو داود (1/105) ، والنسائي (125 - 126) ، وابن ماجه (437) ، و { ابن
خزيمة (1/110/2) = [2/106/1014 و 1015] } والحاكم (259) ، ومن طريقه البيهقي
(2/432) ، وأحمد (3/410 - 411) عن ابن جريج : ثني محمد بن عباد بن جعفر عن
عبد الله بن سفيان عن عبد الله بن السائب قال :
رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي يوم الفتح - زاد الحاكم : الصبح - ، ووضع نعليه عن يساره .
قال الحاكم :
" أخرجته شاهداً " .
قلت : وهو تساهل منه ؛ فان مثل هذه العبارة إنما تقال في حديث معلول إسناده ،
وليس الأمر هنا كذلك ؛ فإنه حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم .
وقد أخرج بهذا الإسناد لعبد الله بن السائب حديثاً آخر في " صحيحه " ، وسيأتي
في (القراءة في الفجر) ، وقد وهم العراقي (1/170) ؛ فعزا الحديث إلى مسلم ، وإنما
الذي عنده ما أشرت إليه .
(2) أخرجه { ابن خزيمة [2/106/1016] } ، وأبو داود - والسياق له - (105 -
106) ، والحاكم (259) ، ومن طريقهما البيهقي (2/432) عن عثمان بن عمر : ثنا
صالح بن رستم أبو عامر عن عبد الرحمن بن قيس عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة
به مرفوعاً . وقال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . ووافقه الذهبي .
قلت : سقط من إسناد الحاكم عبد الرحمن بن قيس ، وهو أبو صالح الحنفي ، وهو
ثقة من رجال مسلم وحده ؛ فالحديث صحيح على شرطه فقط .
(1/111)


................................................................................
__________
وأخرجه ابن ماجه (437) من طريق آخر عن أبي هريرة ، وفيه عبد الله بن سعيد بن
أبي سعيد المقبري ، وهو ضعيف .
وله شاهد من حديث أبي بكرة بلفظ :
" ولكن ليجعلهما بين ركبتيه " .
أخرجه الطبراني في " الكبير " ، وفيه زياد الجصاص ؛ ضعفه ابن معين وغيره ، وذكره
ابن حبان في " الثقات " - كما في " المجمع " (2/55) - .

* * *
(1/112)


الصلاةُ على المنبر (*)
و " صلى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرةً - على المنبر (وفي رواية : أنه ذو ثلاث درجات) (1) ،
فـ [ قام عليه ، فكبر ، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ] ، [ ثم ركع وهو
عليه ] ، ثم رفع ، فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ، ثم عاد ، [ فصنع
فيها كما صنع في الركعة الأولى ] ، حتى فرغ من آخر صلاته ، ثم أقبل
على الناس ، فقال :
" يا أيها الناس ! إني صنعت هذا ؛ لتأتموا بي ، ولِتَعلَّموا صلاتي " (2) .
__________
(*) هذا المبحث لم يتناوله الشيخ رحمه الله في هذا الأصل ، وقد أضفناه بحواشيه
من " صفة الصلاة " المطبوع .
(1) هذا هو السنة في المنبر ؛ أن يكون ذا ثلاث درجات ، لا أكثر ، والزيادة عليها
بدعة أمَوِيَّة ؛ كثيراً ما تعرِّض الصف للقطع ، والفرارُ من ذلك بجعله في الزاوية الغربية
من المسجد أو المحراب : بدعةٌ أخرى ! وكذلك جعله مرتفعاً في الجدار الجنوبي كالشرفة ،
يصعد إليها بدرج لَصِيق الجدار ! وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
راجع " الفتح " (2/331) .
(2) رواه البخاري ، ومسلم - والرواية الأخرى له - ، وابن سعد (1/253) ، وهو
مخرج في " الإرواء " (545) .

* * *
(1/113)


السُّتْرَةُ ووجُوبها
و " كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقف قريباً من السترة ؛ فكان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع (1) ،
وبين موضع سجوده والجدار ممرُّ شاة " (2) .
__________
(1) أخرجه النسائي (1/122) ، وأحمد (2/138 و 6/13) عن مالك عن نافع عن
عبد الله بن عمر :
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل الكعبة ... الحديث . وفيه :
فسألت بلالاً حين خرج : ماذا صنع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال :
جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت
يومئذٍ على ستة أعمدة ، ثم صلى ، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع . والسياق لأحمد .
وفي رواية له من طريق هشام بن سعد عن نافع مختصراً بلفظ :
كان بينه وبن الجدار ثلاثة أذرع .
ورواه البخاري (2/459) من طريق موسى بن عقبة عن نافع نحوه .
(2) رواه سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال :
كان بين مصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين الجدار ممر الشاة .
أخرجه البخاري (2/455) ، ومسلم (2/59) ، والبيهقي (2/272) عن عبد العزيز
ابن أبي حازم عن أبيه عنه .
وأخرجه أبو داود (1/111) من هذا الوجه بلفظ :
وكان بين مقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين القبلة ممر عنز .
وبهذه الرواية فسر الحافظ في " الفتح " الرواية الأولى ؛ فقال :
" قوله : (مصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : مقامه في صلاته ، وكذا هو في رواية أبي داود " .
(1/114)


وكان { يقول :
" لا تُصلِّ إلا إلى سترة ، ولا تدع أحداً يمر بين يديك ، فإن أبى ؛
فلتقاتله ؛ فإن معه القرين " (1) . و } يقول :
" إذا صلى أحدكم إلى سترة ؛ فَلْيَدْنُ منها ؛ لا يقطع (2) الشيطان عليه
صلاته " (3) .
__________
قلت : وهذا مشكل ؛ فإنه على هذا التفسير لا يبقى بينه وبين الجدار فسحة
لسجوده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فالصواب قول النووي في " شرح مسلم " :
"يعني بالمصلى : موضع السجود " . وعلى هذا فرواية أبي داود مروية بالمعنى . قال البغوي :
" استحب أهل العلم الدنو من السترة ؛ بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود ،
وكذلك بين الصفين ، وقد ورد الأمر بالدنو منها " . ثم ذكر الحديث الآتي في الأصل .
(1) { رواه ابن خزيمة في " صحيحه " (1/93/1) = [2/9 - 10/800] بسند جيد } .
(2) أي : لا يُفَوِّت عليه حضورها بالوسوسة والتمكن منها . قال الشيخ علي القاري
(1/491) :
" واستفيد منه أن السترة تمنع استيلاء الشيطان على المصلي ، وتَمَكُّنِهِ من قلبه
بالوسوسة ، إمَّا كُلاً أو بعضاً ؛ بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى ، وأن
عدمها يُمَكِّنُ الشيطانَ من إزلاله عما هو بصدده من الخشوع والخضوع وتدبره القراءة والذكر .
قلت : فانظر إلى متابعة السنة وما يترتب عليها من الفوائد الجمة " . انتهى .
(3) أخرجه أبو داود (1/111) ، والنسائي (1/122) ، والطحاوي (1/365) ،
والحاكم (1/251) ، والبيهقي (2/272) من طريق سفيان بن عيينة عن صفوان بن سليم
عن نافع بن جبير عن سهيل بن أبي حَثْمَة مرفوعاً به .
(1/115)


و " كان أحياناً يتحرى الصلاة عند الأُسْطُوَانَةِ التي في مسجده " (1) .
__________
وهذا إسناد صحيح - كما قال النووي (3/245) - ، وقال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
ورواه ابن حبان أيضاً في " صحيحه " - كما في " نصب الراية " (2/82) - ، { والبزار
(ص 54 - زوائده) } .
قلت : وأعله أبو داود بما لا يقدح ، وقد أجاب عن ذلك البيهقي .
(1) أخرجه البخاري (2/457) ، ومسلم (2/59) ، والبيهقي (2/270) ، وأحمد
(4/48) عن المكي بن إبراهيم قال : ثنا يزيد بن أبي عبيد قال :
كنت آتي مع سلمة بن الأكوع ، فيصلي عند الأسطوانة التي عند الصحن ،
فقلت : يا أبا مسلم ! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ؟! قال :
فإني رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحرى الصلاة عندها .
والسياق للبخاري ، وترجم له : (باب الصلاة إلى الأسطوانة) .
وهو من ثلاثيات البخاري ، وكذا أحمد . قال الحافظ :
" والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها متوسطة في الروضة المكرمة ،
وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين " . قال :
" ثم وجدت ذلك في " تاريخ المدينة " لابن النجار ... ، وذكره قبله محمد بن
الحسن في (أخبار المدينة) " .
{ قلت : والسترة لا بد منها للإمام والمنفرد ؛ ولو في المسجد الكبير . قال ابن هانئ
في " مسائله عن الإمام أحمد " (1/66) :
" رآني أبو عبد الله (يعني : الإمام أحمد) يوماً وأنا أصلي ، وليس بين يدي سترة
- وكنت معه في المسجد الجامع - ؛ فقال لي : استتر بشيء . فاستترت برجل " .
(1/116)


و " كان إذا صلى [ في فضاء ليس فيه شيء يستتر به ] ؛ غرز بين يديه
حَرْبَةً ، فصلى إليها والناس وراءه " (1) .
__________
قلت : ففيه إشارة من الإمام إلى أنه لا فرق في اتخاذ السترة بين المسجد الصغير
والكبير ، وهو الحق . وهذا مما أخل به جماهير المصلين من أئمة المساجد وغيرهم في كل
البلاد التي طفتها ؛ ومنها السعودية التي أتيحت لي فرصة التطواف فيها لأول مرة في
رجب هذه السنة (1410 هـ) .
فعلى العلماء أن ينبهوا الناس إليها ، ويحثُّوهم عليها ، ويبيِّنوا لهم أحكامها ، وأنها
تشمل الحرمين الشريفين أيضاً } .
(1) أخرجه البخاري (2/454) ، ومسلم (2/55) ، وأبو داود (1/109) ، والبيهقي
(2/269) ، وأحمد (2/142) عن عبد الله بن عمر :
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا خرج يوم العيد ؛ أمر بالحربة ، فتوضع بين يديه ، فيصلي
إليها والناس وراءه . وكان يفعل ذلك في السفر . فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء .
وروى ابن ماجه (1/301) منه نَصْبَهَا في السفر .
ثم أخرجه (1/392) بتمامه ، ورواه النسائي (1/232) ، وأحمد (2/145 و 151) بلفظ :
كان يخرج معه يوم الفطر بعنَزة ، فيركُزُها بين يديه ، فيصلي إليها .
وسنده صحيح على شرطهما . زاد ابن ماجه من طرق أخرى :
وذلك أن المصلَّى كان فضاء ، وليس فيه شيءٌ يستتر به .
وسنده صحيح أيضاً على شرطهما .
وكذلك أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي - كما في " الفتح " - .
وفي الباب عن أنس : عند ابن ماجه بإسناد صحيح .
(1/117)


وأحياناً " كان يَعْرِضُ (1) راحلته ، فيصلي إليها " (2) . { وهذا خلاف
الصلاة في أعطان الإبل (3) ؛ فإنه " نهى عنها " (4) } .
__________
وعن أبي جحيفة : في " الصحيحين " ، ومضى ، ويأتي في (اللباس في الصلاة) .
(1) قوله : (يَعْرِضُ) ؛ هو بفتح الياء وكسر الراء ، وروي بضم الياء وتشديد الراء ،
ومعناه : يجعلها معترضة بينه وبين القبلة .
ففيه دليل على جواز الصلاة إلى الحيوان ، وجواز الصلاة بقرب البعير ، بخلاف
الصلاة في أعطان الإبل ، فإنها مكروهة ؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك . كذا
في " شرح مسلم " للنووي .
(2) أخرجه البخاري (459) ، والبيهقي (2/269) ، وأحمد (2/129) عن نافع عن
ابن عمر أيضاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أنه كان يعرضُ راحلته فيصلي إليها .
قلت : أَفَرَأَيْت إذا هَبَّت الركاب ؟ قال :
كان يأخذ هذا الرَّحْل فيعَدِّلُه ، فيصلي إلى آخِرتِه - أو قال : مُؤَخَّرِهِ - .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله . واللفظ للبخاري .
ورواه مسلم (2/55) دون قوله : قلت ... إلخ . وهو رواية لأحمد (2/3 و 141) .
ورواه أبو داود (1/110) ، والترمذي (2/183) ، والدارمي (1/328) بلفظ :
كان يصلي إلى بعيره . وهو رواية لمسلم ، وكذا أحمد (2/26) ، { وابن خزيمة
(1/92/2) = [2/10/802] } .
(3) { أي : مبَارِكها } .
(4) { رواه البخاري ، وأحمد } .
(1/118)


وأحياناً " كان يأخذ الرَّحْلَ ، فيعدله ، فيصلي إلى آخرته " (*) ، وكان يقول :
" إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَة (1) الرحل ؛ فليصلِّ ، ولا يبالي
مَن مَرَّ وراء ذلك " (2) .
__________
(*) سبق تخريجه قبل حديث .
(1) " بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة . ويقال : بفتح الخاء مع فتح الهمزة
وتشديد الخاء ، ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء . ويقال : آخرة الرحل ؛ بهمزة ممدودة
وكسر الخاء . فهذه أربع لغات ؛ وهي : العود الذي في آخر الرحل .
وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي ، وبيان أن أقل السترة مؤخرة
الرحل ، وهي قدر عظم الذراع ، وهو نحو ثلثي ذراع ...
واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن الخط بين يدي
المصلي لا يكفي ؛ قال :
وإن كان قد جاء به حديث ، وأخذ به أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ؛ فهو
ضعيف " . ذكره النووي في " شرح مسلم " . ثم قال :
" وحديث الخط رواه أبو داود ، وفيه ضعف واضطراب " .
قلت : وهو كما قال النووي رحمه الله ، وقد بينا ضعفه مفصلاً فيما انتقدناه على كتاب
" التاج " رقم (99) . فليراجع هناك . وذكرنا شيئاً من ذلك في " التعليقات الجياد " (1/83) .
(2) أخرجه مسلم (2/54) ، وأبو داود (1/109) ، والترمذي (2/156 - 158)
وصححه ، وابن ماجه (1/301) ، والبيهقي (2/269) ، وأحمد (1/161 - 162) من
حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه مرفوعاً به .
وله شاهد من حديث عائشة :
أن رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي ؟ فقال :
(1/119)


و " صلى - مرة - إلى شجرة " (1) .
و " كان أحياناً يصلي إلى السرير ، وعائشة رضي الله عنها مضطجعة
عليه [ تحت قطيفتها ] (*) " (2) .
__________
" كمؤخرة الرحل " .
أخرجه مسلم أيضاً ، وكذا البيهقي ، والنسائي (1/122) .
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/138) قال : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة عن أبي
إسحاق قال : سمعت حارثة بن مُضرِّب يحدث عن علي رضي الله عنه قال :
لقد رأيتُنا ليلة بدر وما منا إنسان إلا نائم إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فإنه كان يصلي إلى
شجرة ، ويدعو حتى أصبح .
وهذا إسناد صحيح . رجاله رجال الشيخين . إلا حارثة بن مضرِّب - بتشديد الراء
المكسورة قبلها معجمة - ، وهو ثقة - كما في " التقريب " - ، وقال في " الفتح " (2/460) :
" رواه النسائي بإسناد حسن " .
قلت : ولعله في " الكبرى " للنسائي .
ثم أخرجه أحمد (1/125) قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة به بلفظ :
تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح .
ولا مخالفة بين الروايتين ؛ فإن من صلى إلى شجرة ؛ فقد صلى تحتها .
(*) زيادة من " صفة الصلاة " المطبوع .
(2) أخرجه البخاري (1/460 و 465 و 466 - 467) ، ومسلم (2/60) ، والطحاوي
(1/267) ، { وأبو يعلى (3/1107 - مصورة المكتب الإسلامي) = [4/94/4474 -
الكتب العلمية ] } ، والبيهقي (2/276) ، وأحمد (6/42 و 230 و 266) من طريق
الأسود ومسروق عن عائشة :
(1/120)


................................................................................
__________
ذُكِرَ عندها ما يقطع الصلاة : الكلب والحمار والمرأة ، فقالت عائشة :
قد شبهتمونا بالحمير والكلاب ، والله ! لقد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، وإني على
السرير بينه وبين القبلة مضطجعة ، فتبدو لي الحاجة ، فأكره أن أجلس فأوذيَ رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَنْسَلُّ من عند رجليه . وفي رواية :
فَأَنْسَلُّ من قبل رِجْلَيِ السرير حتى أَنْسَلَّ من لحافي . زاد أحمد والبيهقي :
كراهية أن أستقبله بوجهي .
وهي عند البخاري ، دون قوله : بوجهي . وهو رواية لأحمد .
وله عنده (6/200) طريق ثالث عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء عن عروة بن
الزبير أخبره : أن عائشة أخبرته قالت :
كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، وأنا معترضة على السرير بينه وبين القبلة .
قلت : أبينهما جُدُرُ المسجدِ ؟ قالت :
لا ؛ في البيت إلى جُدُرِه .
وسنده صحيح على شرط الستة . قال النووي في " شرح مسلم " :
" استدلت به عائشة رضي الله عنها والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة
الرجل ، وفيه جواز صلاته إليها ، وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لخوف الفتنة بها ، وتذكّرها ، واشتغال القلب بها بالنظر إليها .
وأما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فمنزّه عن هذا كله في صلاته ، مع أنه كان في الليل ، والبيوت
يومئذٍ ليس فيها مصابيح " . ا هـ .
قلت : وقضية المصابيح هي من حديث لعائشة . سيأتي في فصل خاص قبل (الركوع) .
وأما الاستدلال بحديثها هذا على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل مطلقاً ؛ ففيه نظر ؛
(1/121)


وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يدعَ شيئاً يمر بينه وبين السترة ؛ فقد " كان مرة يصلي ؛ إذ
جاءت شاة تسعى بين يديه ، فَسَاعَاهَا (1) حتى ألزق بطنه بالحائط ، [ ومرت
من ورائه ] " (2) .
__________
لأن الأحاديث الواردة بقطع الصلاة بالأشياء المذكورة في هذا الحديث إنما المراد مرورها
أمام المصلي - كما يأتي قريباً - ، وحديث عائشة ليس فيه أنها كانت تمر بين يديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حتى يكون معارضاً لتلك الأحاديث ؛ بل في رواية للنسائي - على ما في " الفتح "
(1/467) - من طريق شعبة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها في هذا الحديث :
... فأكره أن أقوم فأمر بين يديه ؛ فأنسل انسلالاً . قال الحافظ :
" فالظاهر أن عائشة إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات ،
لا المرور بخصوصه " . ا هـ .
فثبت أن لا تعارض بين حديث عائشة وبين الأحاديث المشار إليها . ويأتي تخريجها
قريباً إن شاء الله تعالى .
(1) أي : سابقها . وهي مفاعلة من السعي .
(2) أخرجه الطبراني في " الكبير " {3/140/3} عن عمرو بن حَكَّام ، والحاكم في
" المستدرك " (1/254) عن موسى بن إسماعيل ، وابن خزيمة (1/95/1) =
[2/20/827] عن الهيثم بن جميل ؛ ثلاثتهم عن جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم
والزبير بن الخِرِّيتِ عن عكرمة عن ابن عباس :
أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي ... فذكره . واللفظ للطبراني . وقال الحاكم :
" صحيح على شرط البخاري " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
وله طريق أخرى ؛ أخرجه البيهقي (2/268) عن يحيى بن أبي بكير : ثنا شعبة
عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن صهيب البصري عن ابن عباس به نحوه .
(1/122)


و " صلى صلاة مكتوبة ، فضم يده ، فلما صلى ؛ قالوا : يا رسول الله !
أَحَدَثَ في الصلاة شيء ؟ قال :
" لا ؛ إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي ، فَخَنَقْتُه ، حتى وجدت بَرْدَ
لسانه على يدي .
وايم الله ! لولا ما سبقني إليه أخي سليمان ؛ لارْتُبِطَ إلى سارية من
سواري المسجد ، حتى يَطِيْفَ به وِلْدَانُ أهل المدينة (1) ، [ فمن استطاع أن لا
__________
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .
وقد أخرجه أبو داود (1/113) ، وأحمد (1/113 ، 291) من طرق عن شعبة به ،
بدون ذكر صهيب البصري في إسناده .
وله طريق ثالث ؛ أخرجه ابن ماجه (1/304) ، وأحمد أيضاً (1/247) عن يحيى
أبي المُعَلَّى العطار عن الحسن العُرَني قال :
ذكر عند ابن عباس ما يقطع الصلاة ؛ فذكروا الكلب ، والحمار ، والمرأة . فقال :
ما تقولون في الجَدْيِ ؟ إن رسول الله كان يصلي ... الحديث نحوه .
ورجاله ثقات . إلا أنه منقطع بين الحسن بن عبد الله العُرَني وابن عباس - كما أفاده
الإمام أحمد وغيره - .
وأما الزيادة ؛ فهي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
وسنده حسن . وسيأتي لفظه وتخريجه في مكان آخر قبيل (الركوع) إن شاء الله تعالى .
(1) قال النووي في " شرح مسلم " :
" فيه دليل على أن الجن موجودون ، وأنهم قد يراهم بعض الآدميين . وأما قول الله
تعالى : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ } ؛ فمحمول على الغالب ، فلو كانت
(1/123)


يحول بينه وبين القبلة أحد ؛ فليفعل ] " " (1) .
__________
رؤيتهم محالاً ؛ لما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال من رؤيته إياه ، ومن أنه كان يربطه ؛ لينظروا
كلهم إليه ، ويلعب به وِلْداَنُ أهل المدينة .
قال القاضي : وقيل : إن رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة ؛ لظاهر الآية ،
إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ومن خُرِقَتْ له العادة ، وإنما يراهم بنو
آدم في صور غير صورهم ؛ كما جاء في الآثار .
قلت : هذه دعوى مجردة ؛ فإن لم يصح لها مستند ؛ فهي مردودة " . ا هـ . كلام
النووي .
{ وهو من الأحاديث الكثيرة التي يكفر بها طائفة القاديانية ؛ فإنهم لا يؤمنون بعالم
الجن المذكور في القرآن والسنة ، وطريقتهم في رد النصوص معروفة ، فإن كانت من
القرآن ؛ حرفوا معانيها ؛ كقوله تعالى : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ } .
قالوا : " أي : من الإنس " ! فيجعلون لفظة : " الجن " مرادفة للفظة : " الإنس " ؛ كـ " البشر " !
فخرجوا بذلك عن اللغة والشرع ، وإن كانت من السنة ؛ فإن أمكنهم تحريفها بالتأويل
الباطل ؛ فعلوا ، وإلا ؛ فما أسهل حكمهم ببطلانها ؛ ولو أجمع أئمة الحديث كلهم والأمة
من ورائهم على صحتها ؛ بل تواترها ! هداهم الله } .
(1) أخرجه الدارقطني (140) ، وأحمد (5/104 - 105) ، والطبراني في " الكبير"
من طرق عن سِمَاك بن حرب سمع جابر بن سمرة يقول :
صلينا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة مكتوبة ... الحديث . واللفظ للدارقطني .
وإسناده صحيح على شرط مسلم . والزيادة المذكورة لأحمد بسند حسن عن أبي
سعيد الخدري .
وفي الباب عن جمع من الصحابة سيأتي الإشارة إلى أحاديثهم في المكان المزبور آنفاً .
(1/124)


وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :
" إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز
بين يديه ؛ فليدفع في نحره ، [ وليدرأ ما استطاع ] { (وفي رواية : فليمنعه ،
مرتين) } ، فإن أبى ؛ فليقاتله (1) ؛ فإنما هو شيطان " (2) .
__________
(1) قال السيوطي في " تنوير الحوالك " :
" هو عندنا على حقيقته ، وهو أمر ندب ، وقال ابن العربي : المراد بالمقاتلة : المدافعة .
وعند الإسماعيلي :
" فإن أبى ؛ فليجعل يده في صدره ، وليدفعه " . (فإنما هو شيطان) ؛ أي : فعله فعل
الشيطان ، أو المراد شيطان من الإنس ، وفي رواية الإسماعيلي :
" فإن معه الشيطان " " .
قلت : ويشهد لهذه الرواية رواية ابن عمر المذكورة آنفاً ، وهي تؤيد قول من قال :
المعنى : فإنما الحامل له على ذلك الشيطان . والله أعلم .
(2) أخرجه البخاري (1/461 - 463 و 6/259) ، ومسلم (2/57 - 58) ، وأبو داود
(1/111) ، والنسائي (1/123) ، والدارمي (1/328) عن مالك - وهو في " الموطأ " (1/170) - ،
والطحاوي (1/266) ، { وابن خزيمة (1/94/1) = [2/15 و 16/817 و 818] } ،
والبيهقي (2/267) ، وأحمد (3/34 و 43 و 49 و 57 و 63 و 93) من طريق أبي صالح
السمان وعبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري ؛ كلاهما عن أبي سعيد مرفوعاً به . واللفظ
لمسلم من رواية أبي صالح ، والزيادة لابن أبي سعيد ، { والرواية الأخرى لابن خزيمة } .
وله طريق ثالثة عند أبي داود ، وأحمد (3/82 - 83) عن أبي أحمد الزبيري : ثنا
مَسَرَّة بن معبد : ثني أبو عبيد صاحب (*) سليمان قال :
__________
(*) كذا الأصل ؛ تبعاً لـ " المسند " ، والصواب : (حاجب) .
(1/125)


................................................................................
__________
رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي معتماً بعمامة سوداء ، مُرْخٍ طرفها من
خلف ، مصفِّراً اللحية ، فذهبت أمرُّ بين يديه ، فردني . ثم قال : ثني أبو سعيد
الخدري :
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه ، فقرأ ، فالتبست عليه القراءة ،
فلما فرغ من صلاته ؛ قال :
" لو رأيتموني وإبليس ، فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه ؛ حتى وجدت برد لعابه بين
أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ، ولولا دعوة أخي سليمان ؛ لأصبح مربوطاً بسارية
من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة ، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين
القبلة أحد ؛ فليفعل " .
وهذا إسناد حسن . رجاله رجال مسلم ، غير مَسرَّة بن معبد ؛ قال في " التقريب " :
" صدوق له أوهام " .
والحديث أخرجه ابن ماجه (1/304) ، وكذا أبو داود ، والبيهقي من طريق ابن
عجلان عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه مرفوعاً بلفظ :
" إذا صلى أحدكم ؛ فليصلِّ إلى سترة ، وليدن منها ، ولا يدع أحداً يمر بين يديه ، فإن
جاء أحد يمر ؛ فليقاتله ، فإنه شيطان " .
وابن عجلان : فيه مقال .
وله شاهد من حديث ابن عمر بلفظ :
" إذا كان أحدكم يصلي ؛ فلا يدع أحداً يمر بين يديه ، فإن أبى ؛ فليقاتله ، فإن معه
القرين " .
(1/126)


وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :
" لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي (1) ماذا عليه ؛ لكان أن يقف أربعين (2)
__________
أخرجه مسلم ، وابن ماجه ، والطحاوي ، والبيهقي ، وأحمد (2/86) ، وعزاه المنذري
(1/194) لابن ماجه بإسناد صحيح ، وابن خزيمة في " صحيحه " ؛ فقصَّر .
(1) أي : أمامه بالقرب منه . واختلف في ضبط ذلك ؛ فقيل : إذا مر بينه وبين
مقدار سجوده . وقيل : بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع . وقيل : بينه وبينه قدر رمية بحجر .
ووقع عند السراج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي النضر :
" بين يدي المصلي والمصلى " ؛ أي : السترة . كذا في " تنوير الحوالك " ، و " الفتح "
(2/463 و 465) .
(2) هكذا الرواية بالإبهام . وقال الراوي أبو النضر :
لا أدري قال : أربعين يوماً ، أو شهراً ، أو سنة .
وهذا يدل على أن في أصل الحديث تعيين المعدود ، ولكن الراوي هو الذي شك .
ووقع في " مسند البزار " من طريق سفيان بن عيينة عن أبي النضر :
" أربعين خريفاً " . قال المنذري - وتبعه الهيثمي (2/61) - :
" ورجاله رجال " الصحيح " " .
قلت : لكنه معلول . فقد أخرجه ابن ماجه ، وكذا أحمد ، وابن أبي شيبة ،
وسعيد بن منصور وغيرهم من الحفاظ عن ابن عيينة عن أبي النضر على الشك أيضاً .
وزاد فيه :
أو ساعة . قال الحافظ :
(1/127)


خيراً له من أن يمر بين يديه (1) " (2) .
__________
" فيبعد أن يكون الجزم والشك وقعا معاً من راوٍ واحدٍ في حالة واحدة ، إلا أن يقال :
لعله تذكر في الحال ؛ فجزم . وفيه ما فيه " . ا هـ .
وفي حديث أبي هريرة الآتي قريباً تعيين العدد بمئة عام .
ولكنه ضعيف - كما علمت - .
(1) قال النووي في " شرح مسلم " :
" معناه : لو يعلم ما عليه من الإثم ؛ لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم .
ومعنى الحديث : النهي الأكيد ، والوعيد الشديد في ذلك " . وقال في " المجموع "
(3/249) :
" إذا صلى إلى سترة ؛ حَرُمَ على غيره المرور بينه وبين السترة ، ولا يحرم وراء
السترة . وقال الغزالي : يكره ، ولا يحرم . والصحيح ؛ بل الصواب أنه حرام . وبه قطع
البغوي والمحققون ، واحتجوا بهذا الحديث " . وقال الحافظ - بعد أن ذكر كلامه في
" مسلم " - :
" ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر " .
(2) أخرجه البخاري (2/463 - 464) ، ومسلم (2/58) ، ومالك (1/170) ، وعنه
الإمام محمد (148) ، وكذا أبو داود (1/111) ، والنسائي (1/123) ، والترمذي
(2/158) ، والدارمي (1/329) ، والطحاوي في " مشكل الآثار " (1/18) ، والبيهقي
(2/268) ، وأحمد (4/169) ؛ كلهم عن مالك .
وابن ماجه (1/302) ، ومسلم أيضاً ، والطحاوي عن سفيان الثوري ؛ كلاهما عن
أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بُسر بن سعيد :
(1/128)


................................................................................
__________
أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جُهَيْم يسأله : ماذا سمع من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المار
بين يدي المصلي ؟ فقال أبو جُهيم : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... فذكره . وقال الترمذي :
" حديث حسن صحيح ، وللعمل عليه عند أهل العلم ؛ كرهوا المرور بين يدي
المصلي ، ولم يروا أن ذلك يقطع صلاة الرجل " .
وللحديث شاهد من رواية أبي هريرة مرفوعاً بلفظ :
" لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضاً (زاد في رواية : وهو يناجي
ربه) ؛ كان لأن يقوم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها " .
أخرجه ابن ماجه ، والطحاوي ، وأحمد (2/371) من طريق عبيد الله بن
عبد الرحمن بن موهب عن عمه عنه .
وهذا إسناد ضعيف ؛ عبيد الله هذا : مختلف فيه ؛ فوثقه ابن معين في رواية ،
وضعفه في أخرى . وفي " التقريب " :
" ليس بالقوي " .
وعمه - اسمه : عبيد الله بن عبد الله بن موهب ؛ فهو - : مجهول عند الشافعي ،
وأحمد وغيرهما . وفي " التقريب " :
" مقبول " .
وأما ابن حبان ؛ فوثقه على قاعدته ! وقد أخرج الحديث هو وشيخه ابن خزيمة في
" صحيحيهما " ؛ كما في " الترغيب " (1/194) ، وصَحَّحَ إسناد ابن ماجه . وقد علمت
ما فيه .
(1/129)


ما يَقْطَعُ الصَّلاةَ
وكان يقول :
" يقطع صلاةَ الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل : المرأةُ
[ الحائض ] (1) ، والحمار ، والكلب الأسود " . قال أبو ذر :
قلت : يا رسول الله ! ما بالُ الأسود من الأحمر ؟ فقال :
" الكلب الأسود شيطان " (2) .
__________
(1) قال السندي رحمه الله تعالى :
" يحتمل أن المراد : ما بلغت سن المحيض ؛ أي : البالغة ، وعلى هذا فالصغيرة لا
تقطع . والله تعالى أعلم " . ا هـ .
(1) أخرجه مسلم (2/59) ، وأبو داود (1/112) ، والنسائي (1/122) ، والترمذي
(2/161) ، والدارمي (1/329) ، وابن ماجه (1/303) ، والطحاوي (1/265) ، { وابن
خزيمة (1/95/2) = [2/20 - 21/830] } ، والطبراني في " الصغير " (ص 38 و 103
و 239) ، وأبو نعيم في " الحلية " (6/132) ، والطيالسي (ص 71) ، وأحمد (5/149
و 151 و 155 و 160 و 161) ، والبيهقي أيضاً (2/274) من طرق عن حُميد بن هلال عن
عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال :
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... فذكره . واللفظ لشعبة عن حميد ، وزاد :
قلت : ما بال الكلب الأسود ؟ قال : ابنَ أخي ! سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما سألتني ؟ فقال :
" الكلب الأسود شيطان " (*) .
__________
(*) وانظر تحقيقاً حديثياً وفقهياً رائعاً ماتعاً حول هذا الحديث في " السلسلة الصحيحة "
(3323) .
(1/130)


................................................................................
__________
وأما الزيادة ؛ فهي عند أحمد (5/164) من طريق أخرى عن علي بن زيد بن
جُدعان عن عبد الله بن الصامت بلفظ :
أحسبه قال :
" والمرأة الحائض " .
وابن جدعان : فيه ضعف .
لكن له شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً :
" يقطع الصلاة الكلب الأسود ، والمرأة الحائض " .
أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والطحاوي ، والبيهقي ، وأحمد (1/347)
من طريق شعبة : ثنا قتادة قال : سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس ... رفعه .
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ، وصححه النووي (3/250) .
وقد رواه غير شعبة عن قتادة موقوفاً على ابن عباس ، ولا يضر ذلك ؛ فإن شعبة ثقة
ثبت حافظ .
وله طريق آخر عند أبي داود ، والطحاوي ، والبيهقي من وجوه عن معاذ بن هشام : ثنا
أبي عن يحيى عن عكرمة عن ابن عباس - قال : أحسبه أسند ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال :
" يقطع الصلاة الكلب ، والحمار ، والمرأة الحائض ، واليهودي ، والنصراني ،
والمجوسي ، والخنزير بحجر " . قال :
" ويكفيك إذا كانوا منك على قدر رمية بحجر ؛ لم يقطعوا صلاتك " .
وإسناده صحيح على شرط البخاري . لكنه مشكوك في رفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما
ترى .
(1/131)


................................................................................
__________
ثم ظهر لي فيه علة ؛ وهي عنعنة يحيى - وهو : ابن [ أبي ] كثير - ؛ فإنه مدلس .
وفي الباب أحاديث أخرى :
فمنها : عن أبي هريرة مرفوعاً :
" يقطع الصلاة المرأة ، والحمار ، والكلب " .
أخرجه مسلم ، وابن ماجه ، والبيهقي ، وأحمد (2/299 و 425) من طريقين عنه .
وزاد مسلم :
" ويقي ذلك مثلُ مُؤْخِرَة الرحل " .
ومنها : عن عبد الله بن مُغَفَّل مرفوعاً مثله دون الزيادة .
رواه ابن ماجه ، والطحاوي ، وأحمد (5/57) من طرق عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن
قتادة عن الحسن عنه .
وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين .
وعن أنس مثله .
أخرجه الخطيب في " تاريخه " (7/49) ، وكذا البزار . قال الهيثمي (2/60) :
" ورجاله رجال " الصحيح " " .
وعن الحكم بن عمرو الغفاري .
رواه الطبراني في " الكبير " . ورجاله ثقات ، غير عمر بن رُدَيح ؛ ضعفه أبو حاتم ،
ووثقه ابن معين وابن حبان .
قلت : فهو إسناد حسن .
وعن عائشة بلفظ :
(1/132)


................................................................................
__________
" لا يقطع صلاةَ المسلم شيءٌ ؛ إلا الحمار ، والكافر ، والكلب ، والمرأة " . فقالت
عائشة : يا رسول الله ! لقد قُرِنَّا بدوابِّ سوء !
أخرجه أحمد (6/84 - 85) : ثنا أبو المغيرة قال : ثنا صفوان قال : ثنا راشد بن
سعد عنها به .
وهذا رجاله رجال مسلم ؛ غير راشد هذا ، وهو ثقة كثير الإرسال - كما في
" التقريب " - . فإن كان سمعه من عائشة ؛ فالإسناد صحيح ، وإلا ؛ فمنقطع ضعيف .
وفي هذه الأحاديث دلالة على أن الكلب ، والمرأة ، والحمار يقطع الصلاة . والمراد
بالقطع : البطلان . قال الشوكاني (3/9) :
" وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة ؛ منهم : أبو هريرة ، وأنس ، وابن عباس
في رواية عنه ، وحكي أيضاً عن أبي ذر ، وابن عمر . وجاء عن ابن عمر أنه قال به في
الكلب . وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار . وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة
المذكورة : الحسن البصري ، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود .
ومن الأئمة : أحمد بن حنبل - فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري في " المحلى "
(4/11) - ، وحكى الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب الأسود ، وُيتوقف في الحمار والمرأة " .
قلت : في المسألة عن الإمام أحمد روايتان ؛ اتفقتا كلتاهما على أن الكلب الأسود
يقطع الصلاة ، واختلفتا في المرأة والحمار ؛ فجزم في رواية بعدم القطع بهما ، وتردد في
الأخرى .
أما الأولى : فهي رواية ابنه عبد الله في " مسائله " قال :
" سألت أبي : ما يقطع الصلاة ؟ قال : الكلب الأسود . قال : أنس يروي أنه يقطع
الصلاة الكلب ، والمرأة ، والحمار ؟ قال : أما المرأة ؛ فأذهب إلى حديث عائشة :
(1/133)


................................................................................
__________
كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، وأنا معترضة بين يديه .
وإلى حديث ابن عباس :
مررت بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنا على أتان . فقلت لأبي : إذا مر الكلب الأسود
بين يدي المصلي يقطعُ صلاته ؟ قال : نعم . قلت له : يعيد ؟ قال : نعم ؛ إن كان أسود " .
وأما الرواية الأخرى : فهي رواية إسحاق بن منصور المروزي في " مسائله " عن
أحمد وإسحاق . قال :
" قلت - يعني : لأحمد - : ما يقطع الصلاة ؟ قال : ما يقطعها إلا الكلب الأسود
الذي لا أشك فيه ، وفي قلبي من (الحمار والمرأة) شيء . قال إسحاق : لا يقطع إلا
الكلب الأسود . قال أحمد : ومن الناس من يقول : إن قول عائشة حيث قالت :
كنت أنام بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... ليس بحجة على هذا الحديث - يعني : من قال :
يقطع الصلاة المرأة ، والحمار ، والكلب - ؛ لأن النائم غير المارِّ .
وقول ابن عباس في الحمار حيث مر بين يدي بعض الصف ؛ ليس بحجة ؛ لأن
سترة الإمام سترةُ مَن خلفه " . ا هـ .
قلت : وحديث ابن عباس المشار إليه أخرجه الأئمة الستة وغيرهم عنه بلفظ :
أقبلت راكباً على أتانٍ ، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي
بالناس بمنى إلى غير جدار (*) ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت ، وأرسلت الأتان
ترتع ، فدخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد .
والحديث - كما قال أحمد - لا حجة فيه ؛ لأن الأتان لم تمرَّ بين يديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد قال
ابن عبد البر - كما في " الفتح " (1/454) - :
__________
(*) أعل الشيخ رحمه الله تعالى قوله : " إلى غير جدار " بالشذوذ في " الضعيفة " (5814) .
(1/134)


................................................................................
__________
" حديث ابن عباس هذا يخص حديث أبي سعيد :
" إذا كان أحدكم يصلي ؛ فلا يدع أحداً يمر بين يديه " . فان ذلك مخصوص بالإمام
والمنفرد ، وأما المأموم ؛ فلا يضره من مر بين يديه ؛ لحديث ابن عباس هذا " . قال :
" وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء " . ا هـ .
وأما حديث الفضل بن عباس قال :
زار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبَّاسَاً في بادية لنا ، ولنا كُلَيْبَةٌ ، وحمارة ترعى ، فصلى
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العصر ، وهما بين يديه ؛ فلم يُزْجَرا ولم يُؤَخَّرا .
فهو حديث ضعيف . رواه أبو داود (1/114) ، والنسائي (1/123) ، والطحاوي
(1/266) ، والدارقطني (141) ، والبيهقي (2/278) ، وأحمد (1/211 - 212) من
طريق محمد بن عمر بن علي عن عباس بن عبيد الله بن عباس عنه به . واللفظ
للنسائي . وزاد أبو داود وأحمد في رواية :
ليس بين يديه سترة .
وعلة الحديث الانقطاع والجهالة ؛ فقال ابن حزم في " المحلى " (4/13) :
" وهذا باطل ؛ لأن العباس بن عبيد الله لم يدرك عمه الفضل " . قال الحافظ في
" التهذيب " :
" وهو كما قال ابن حزم . وقال ابن القطان : لا يعرف حاله . بئس العباس هذا " .
وفي " التقريب " :
" مقبول " . ا هـ .
ومما تقدم تعلم أن قول النووي (3/251) والحافظ أبي زرعة ابن الحافظ العراقي في
" شرح التقريب " (2/389) :
(1/135)


................................................................................
__________
" إسناده حسن " ؛ غير حسن . مع أنه ذكر كلام ابن حزم ، ونقل عن الخطابي أنه
قال :
" في إسناده مقال " . ولم يتعقبهما بشيء . وقد قال السندي :
" ولا دلالة في الحديث على المرور بين المصلي والسترة ، ولا على أن الكلبة كانت
سوداء ، وكذا في دلالة الأحاديث اللاحقة على أن المرور لا يقطع بحثٌ ؛ فهذه
الأحاديث لا تعارض حديث القطع أصلاً " .
قلت : وأول كلامه - بناءً على رواية النسائي - صحيح ، وأما على زيادة أبي داود :
ليس بين يديه سترة . فغير صحيح ؛ فالجواب القاطع : إن الحديث ضعيف لا يحتج
به . وكفى .
وأشار بقوله :
" الأحاديث اللاحقة " . إلى ما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس :
أنه مر بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي ، فنزلوا ودخلوا معه ، فصلوا ، ولم ينصرف .
وإسناده صحيح . ولكن لا دلالة فيه - كما قال السندي - ؛ لأنه ليس فيه على أن
المرور كان بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين السترة .
وأما حديث عائشة الذي مرت الإشارة إليه في كلام أحمد ؛ فقد أجاب هو نفسه
عنه ، وتقدم منا الجواب عنه مفصلاً عما قريب . ومن أراد زيادة تفصيل ؛ فليراجع " فتح
الباري " (1/467 - 468) ، و " شرح التقريب " (2/393 و 396) .
ومما احتج به من قال : إن المرأة لا تقطع الصلاة ؛ حديثُ أم سلمة قالت :
(1/136)


................................................................................
__________
كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في حجرة أم سلمة ؛ فمر بين يديه عبد الله - أو : عمرو بن
أبي سلمة - ، فقال بيده ؛ فرجع ، فمرت زينب بنت أم سلمة ، فقال بيده هكذا ؛
فمضت ، فلما صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ قال :
" هن أغلب " .
أخرجه ابن ماجه (1/302) ، وأحمد (6/294) ، وابن أبي شيبة أيضاً من طريق
أسامة بن زيد عن محمد بن قيس عن أمه عنها . وقال ابن ماجه : (عن أبيه عنها) . قال
في " الزوائد " :
" في إسناده ضعف . ووقع في بعض النسخ : (عن أمه) .. بدل : (عن أبيه) ،
وكلاهما لا يعرف " . ا هـ .
وقد ضَعَّفَ الحديثَ أيضاً ابنُ القطان ، وقد ذكر كلامه الزيلعي (2/85) في " نصب
الراية " .
فليس الحديث بحجة ، على أنه لو صح ؛ لما دل على المطلوب .. لما عرفت من
الجواب عن حديث ابن عباس الأخير . ولو سُلِّم أن المرور كان بينه وبين السترة ؛ فالجواب
كما قال السندي :
" إن الذي يقطع الصلاة مرور البالغة ؛ لأنها المتبادرة من اسم المرأة ، ويدل عليه
رواية : " المرأة الحائض " . - كما تقدم - " . ا هـ .
واحتجوا أيضاً بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً :
" لا يقطع الصلاة شيء ، وادرؤوا ما استطعتم ؛ فإنما هو شيطان " .
أخرجه أبو داود (1/114) ، والدارقطني (141) ، والبيهقي (2/278) من طريق أبي
أسامة : ثنا مجالد عن أبي الوَدَّاك عنه .
(1/137)


................................................................................
__________
وهذا سند ضعيف (1) ؛ فإن مجالداً هذا - هو : ابن سعيد - : ضعفه الجمهور ، وقد
اختلط أخيراً ، وهذا من رواية أبي أسامة عنه ، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط - كما
قال أبو زرعة في " شرح التقريب " (2/389) - . وقال الحافظ في " التقريب " :
" ليس بالقوي ، وقد تغير في آخر عمره " . وقال في شيخه أبي الوَدَّاك - واسمه : جبر
ابن نوف - :
" صدوق يهم " .
قلت : وقد رواه عبد الواحد بن زياد عن مجالد به موقوفاً على أبي سعيد . ولعله
الصواب .
كذلك أخرجه أبو داود ، والبيهقي أيضاً .
والحديث ضعفه النووي في " شرح مسلم " ، والحافظ في " الفتح " (1/466) ، وقال :
" ويرد من حديث ابن عمر وأنس وأبي أمامة عند الدارقطني ، ومن حديث جابر
عند الطبراني في " الأوسط " ، وفي إسناد كل منها ضعف " .
قلت : وروي عن أبي هريرة أيضاً عند الدارقطني ، وفيه إسماعيل بن عياش عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة .
وإسماعيل ضعيف . وشيخه متروك - كما في " التقريب " - .
وبالجملة ؛ فالأحاديث المعارضة لأحاديث القطع بالأشياء الثلاثة بعضها صحيح ؛
كحديث عائشة ، وحديث ابن عباس في بعض ألفاظه ، وهي عند التأمل فيها بإنصاف
غير معارضة لتلك .
__________
(1) { كما حققته في " تمام المنة " (ص 306) وغيره } .
(1/138)


................................................................................
__________
والبعض الآخر صحيح المعارضة ، ولكنها غير صحيحة الإسناد ؛ فحينئذٍ لا يجوز
المعارضة بها . وقال ابن القيم في " الزاد " (1/111) :
" ومعارض هذه الأحاديث قسمان : صحيح غير صريح ، وصريح غير صحيح ؛ فلا
تُترك لمعارض هذا شأنه ، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وعائشة رضي الله عنها نائمة في
قِبلته ، وكأن ذلك ليس كالمار ؛ فإن الرجل مُحَرَّمٌ عليه المرور بين يدي المصلي ، ولا يكره
له أن يكون لابثاً بين يديه ، وهكذا المرأة ؛ يقطع مرورها الصلاة دون لُبْثِها . والله أعلم " .
وأما دعوى بعضهم نسخ تلك الأحاديث ؛ فشيء لا برهان عليه ، وقد أنكرها كثير
من العلماء ، حتى من الذين لم يذهبوا إلى ظاهرها ؛ كالنووي ، وابن حجر وغيرهما . قال
في " المجموع " (3/251) :
" وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ ؛ فليس بمقبول ؛ إذ لا دليل عليه ، ولا
يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع - وهي آخر الأمر - أن يكون ناسخاً ؛ إذ
يمكن كون أحاديث القطع بعده ، وقد علم وتقرر في الأصول أن مثل هذا لا يكون
ناسخاً ، مع أنه لو احتمل النسخ ؛ لكان الجمع بين الأحاديث مقدماً عليه ، إذ ليس فيه
رد شيء منها ، وهذه أيضاً قاعدة معروفة " .
قلت : والجمع فرع التعارض ، وقد أثبتنا أنه لا تعارض ؛ فيبقى العمل بالأحاديث
على ظاهرها ، على أن ما جمعوا به غير معقول ؛ وذلك أنهم قالوا : إن المراد بالقطعِ القطعُ
عن الخشوع والذكر ؛ للشغل بها ، والالتفات إليها ، لا أنها تفسد الصلاة .
قلت : إنه غير معقول ؛ لأنه يؤدي إلى إبطال منطوق الحديث ؛ لأنه حصر القطع
بالثلاثة المذكورة فيه ، وملاحظة المعنى الذي ذكروه يؤدي إلى أن الحصر غير مراد ؛ وذلك
لأنه لا فرق في الإشغال عن الخشوع بين الرجل المارِّ والمرأة ، بل ما الفرق بين المرأة
الحائض وغير الحائض على هذا الجمع ؟ وكذا لا فرق بين مرور الحمار ، والفرس ، أو
(1/139)


الصلاةُ تجاه القبر
وكان ينهى عن الصلاة تجاه القبر ؛ فيقول :
" لا تجلسوا (1) .......................................
__________
الجمل ، ولا بين مرور الكلب الأسود ، والكلب الأحمر أو غيره ، وقد فَرَّقَ الشارع بينهما
نصّاً ؛ فكل جمعٍ يؤدي إلى إبطال وإلغاء ما قيده الشارع فهو غير مقبول ، وهو على
صاحبه مردود ؛ فالحق ما ذهب إليه مَنْ ذكرنا في أول البحث من بطلان الصلاة بمرور
المرأة الحائض ، والحمار ، والكلب الأسود .
وأما الكافر ، والمجوسي ، والخنزير ، واليهودي ، والنصراني ؛ فالقول بذلك متوقف على
ثبوت ذلك عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد علمت - مما سبق - أن حديث الكافر منقطع ، وحديث الخنزير
وغيره مشكوك في رفعه ؛ فلا حجة في ذلك حتى يتصل سنده ، ويرفع يقيناً متنه .
(1) فيه دلالة على تحريم القعود على القبور ؛ لأنه الأصل في النهي ، وهو مذهب
الجمهور فيما حكاه الصنعاني في " سبل السلام " (2/157) ، والشوكاني في " النيل "
(4/75) ، والصواب أن مذهبهم الكراهة - كما نقله النووي في " المجموع " (5/312)
عنهم ، وابن الجوزي فيما ذكره الحافظ في " الفتح " (3/174) - ، والحق : إنه حرام ؛ لما
ذكرنا من أن أصل النهي التحريم ، ولم يرد شيء يخرجه منه إلى الكراهة ، بل جاء ما
يؤكده ؛ وهو :
ما رواه أبو هريرة عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :
" لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه ، فتخلص إلى جلده ؛ خير له من أن
يجلس على قبر " .
أخرجه مسلم (3/62) ، وأبو داود (2/71) ، والنسائي (1/287) ، وابن ماجه
(1/1/474) ، وأحمد (2/311 و 389 و 444) .
(1/140)


على القبور ، ولا تُصَلُّوا إليها (1) " (2) .
__________
وما رواه عقبة بن عامر مرفوعاً :
" لأن أمشي على جمرة ، أو سيف ، أو أَخْصِفَ نعلي برِجْلي ؛ أحب إليَّ من أن
أمشي على قبر مسلم ، وما أبالي أَوَسَطَ القبور قضيت حاجتي ، أو وسط السوق ! " .
أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح .
وقد أغرب بعض الأئمة ؛ فَأَوَّلَ الجلوس على القبر بالجلوس لغائط أو بول ! وهو
تأويل ضعيف أو باطل - كما قال النووي - ، وقد بين بطلان ذلك ابن حزم في
" المحلى " (5/136) من وجوه ؛ فراجعها فيه . وقال الشافعي في " الأم " (246) :
" وأكرهُ وطْء القبر والجلوس والاتكاء عليه ، إلا أن لا يجد الرجلُ السبيلَ إلى قبر
ميِّتِه إلا بأن يطأه ؛ فذلك ضرورة ، فأرجو حينئذٍ أن يسعه إن شاء الله " .
قلت : إن كان القصد من الوصول إلى قبر الميت لأجل الزيارة فقط ؛ فليس ذلك
بضرورة يُستحل بها ما تقدم من الوعيد الشديد ؛ لأن الزيارة تتحقق من بعيد ، وليس من
شرطها الوصول إلى القبر نفسه ؛ ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله :
" لا يوطأ القبر إلا لضرورة ، ويزار من بعيد ، ولا يَقْعُد ، وإن فعل ؛ يكره " .
كذا في " رد المحتار " (1/846) نقلاً عن " خزانة الفتاوى " .
وظاهر قوله : " يكره " : أنه كراهة تحريم ؛ لأنها المراد عند الإطلاق ، وهو الموافق لما سبق
من الأحاديث . والله أعلم . وللبحث تتمة ؛ يراجع في " التعليقات الجياد " .
(1) أي : مستقبلين إليها . لما فيه من التعظيم البالغ ؛ لأنه من مرتبة المعبود ، فجمع
بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم ، والتعظيم البليغ . كذا في " الفيض " للمناوي . ثم
قال في موضع آخر :
(1/141)


................................................................................
__________
" فإن ذلك مكروه . فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة ؛ فقد ابتدع في
الدين ما لم يأذن به الله ، والمراد كراهة التنزيه " . قال النووي :
" كذا قال أصحابنا . ولو قيل بتحريمه - لظاهره - لم يبعد ، ويؤخذ من الحديث النهي
عن الصلاة في المقبرة ؛ فهي مكروهة كراهة تحريم " . ا هـ . وفي " الأم " (1/246) :
" وأكره أن يُبنى على القبر مسجد ، وأن يُسَوَّى ، أو يصلى عليه وهو غير مسوى ، أو
يصلى إليه " . قال :
" وإن صلى إليه ؛ أجزأه ، وقد أساء ، أخبرنا مالك : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :
" قاتل الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " " . قال :
" وأكره هذا للسُّنة والآثار ، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين
- يعني : يتخذ - قبره مسجداً ، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد " .
انتهى .
والحديث الذي ذكره عن مالك مُعضَلاً حديث صحيح جداً ؛ جاء في
" الصحيحين " وغيرهما عن جمع من الصحابة ؛ منهم : عائشة ، وابن عباس ، وأبو
هريرة ، وزيد بن ثابت ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسامة بن زيد .
وفي الباب عن : عائشة أيضاً ، وجندب بن عبد الله البجلي ، وابن مسعود ، وأبي
سعيد الخدري ، وعطاء بن يسار مرسلاً .
وقد خرجتُ أحاديثهم ، وسقت ألفاظهم في " التعليقات الجياد " ، وبينت فيه ما
يستفاد منها من المسائل المهمة التي غفل عنها أكثر المسلمين ؛ فوقعوا في الغلو في
الأولياء والصالحين ، وتعظيمهم تعظيماً خارجاً عن حدود الشرع والدين ، وقد قال ابن
حجر الهيتمي الفقيه في " الزواجر عن اقتراف الكبائر " (ص 121) :
(1/142)


................................................................................
__________
" قال بعض الحنابلة : قَصْدُ الرجل الصلاةَ عند القبر متبركاً بها عَيْنُ المحاداة لله
ولرسوله ، وإبداع دين لم يأذن به الله ؛ للنهي عنها ، ثم إجماعاً ؛ فإن أعظم المحرمات
وأسباب الشرك الصلاة عندها ، واتخاذها مساجد ، أو بناؤها عليها . والقول بالكراهة
محمول على غير ذلك ؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعْنُ فاعِلِهِ ،
ويجب المبادرة لهدمها ، وهدم القباب التي على القبور ، إذ هي أضر من مسجد الضرار ؛
لأنها أُسست على معصية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لأنه نهى عن ذلك ، وأمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهدم القبور
المشرفة ، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ، ولا يصح وقفه ونذره " . انتهى ما في
" الزواجر " .
فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم ، وأنه تشريع لم
يأذن به الله ، ومع ذلك ترى كثيراً من الناس - حتى بعض المشايخ - يقصدون مقامات
الأولياء والصالحين للصلاة عندها ، والتبرك بها ، وإذا قيل لهم في ذلك ؛ قالوا : إنما
الأعمال بالنيات ، ونياتنا طيبة ، وعقائدنا سليمة ! ولئن صدقوا في ذلك ؛ فما هو
بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم ؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر ، والله
يتولى السرائر .
ولقد أنكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من خاطبه بقوله : ما شاء الله وشئت يا رسول الله !
فقال عليه الصلاة والسلام :
" جعلتني لله نداً ؟! قل : ما شاء الله وحده " .
ولقد كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكاً مع الله ، وهو
- رضي الله عنه - ما آمن به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا فراراً من الشرك ؛ فكيف يجعله شريكاً لله ؟!
كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم ذلك منه ، وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة ؛ فلا يتكلم
مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال .
(1/143)


................................................................................
__________
فمالِ لهؤلاء الناس يأتون أعمالاً منكرة ، ظاهرها شرك وضلال ، ثم يبررون ذلك
بقصدهم الحسن في زعمهم ؟! والله يعلم أن كثيراً من هؤلاء قد فسدت عقائدهم ،
وداخَلَها الشرك من حيث يشعرون أو لا يشعرون ؛ ذلك جزاؤهم بما كسبوا ، وجعلوا
أحاديثه عليه الصلاة والسلام وراءهم ظهرياً .
(2) هو حديث صحيح . أخرجه مسلم (3/62) ، وأبو داود (1/71) ، والنسائي
(1/124) ، والترمذي (1/195 - طبع بولاق) ، { وابن خزيمة (1/95/2) = [2/8/794] } ،
والطحاوي (1/296) ، والبيهقي (435) ، وأحمد (4/135) من حديث أبي مَرْثَد
الغَنَوي مرفوعاً به . ولفظ النسائي ، والطحاوي :
" لا تصلوا إلى القبور ، ولا تجلسوا عليها " . وهو رواية لمسلم ، وأحمد .
وله شاهد من حديث ابن عباس :
أخرجه المقدسي من طريق الطبراني بسنده عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عنه
بلفظ :
" لا تصلوا إلى قبر ، ولا تصلوا على قبر " . قال المقدسي :
" وعبد الله بن كيسان : قال فيه البخاري : منكر الحديث . وقال أبو حاتم الرازي :
ضعيف . وقال النسائي : ليس بالقوي . إلا أنَّا لما رأينا ابن خزيمة والبستي أخرجا له ؛
أخرجناه " .
{ وانظر كتابى : " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " ، و " أحكام الجنائز
وبدعها " } .

* * *
(1/144)

0 التعليقات :

إرسال تعليق

يسعدني تفاعلكم