Featured Video

ضع بريدك الالكتروني:

Delivered by FeedBurner

صفة صلاة النبي للألباني ( القيام )

القيام
و " كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقف فيها قائماً ، في الفرض والتطوع (1) ؛ ائتماراً بقوله
تعالى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } (2) (البقرة : 238) .
__________
(1) أما قيامه في الفرض ؛ فقد سبق ذكر بعض الأحاديث الواردة في ذلك .
وأما قيامه في التطوع ؛ ففيه حديث حفصة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها قالت :
ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى سبحته قاعداً قط ، حتى كان قبل وفاته بعام ؛ فكان
يصلي في سبحته قاعداً ، ويقرأ بالسورة ، فيرتلها ؛ حتى تكون أطولَ مِن أطولَ منها .
أخرجه مالك (1/157) عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي
وَداعَةَ السَّهْمِي عنها .
ومن طريق مالك أخرجه مسلم (2/164) ، والنسائي (1/245) ، والترمذي في
" السنن " (1/211 - 212) وفي " الشمائل " (2/99) ، وكذا الإمام محمد في " موطئه "
(ص 112) ، والبيهقي (2/490) ، وأحمد (6/285) ؛ كلهم عنه به .
ثم أخرجه مسلم ، وأحمد من طريق معمر عن الزهري به .
ومن اللطائف في هذا الإسناد : أن فيه ثلاثة من الصحابة على نسق واحد يروي
بعضهم عن بعض : السائب ، والمطلب ، وحفصة . رضي الله عنهم أجمعين .
(2) أي : خاشعين ذَلِيْلِيْنَ مُسْتَكِيْنِيْنَ بين يديه .
وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة ؛ لمنافاته إياها . ولهذا لما امتنع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة ؛ اعتذر إليه بذلك ، وقال :
" إن في الصلاة لشغلاً " (*) . كذا في " تفسير ابن كثير " .
__________
(*) متفق عليه . وانظر تخريجه في " صحيح أبي داود " (856) .
(1/79)


................................................................................
__________
وفي الآية دليل على فرضية القيام في الصلاة على القادر عليه ؛ كما يدل على ذلك
الآية التي بعدها : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } . وقد نقل العلماء إجماع الأمة على
هذا ؛ سواء كان إماماً أو مأموماً .
واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعداً خلف إمام مريض لا يستطيع القيام . قال
القرطبي في تفسيره (3/218) :
" فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم ، بل جمهورهم ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الإمام :
" إذا صلى جالساً ؛ فصلوا جلوساً أجمعون " . وهذا هو الصحيح في المسألة " .
وسيأتي بيان ذلك قريباً عند الكلام على الحديث الذي ذكره .
وأما القيام في النافلة ؛ فقد نقل النووي في " شرح مسلم " إجماع العلماء على جواز
تركه مع القدرة عليه ؛ مستدلاً بصلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالساً في صلاة الليل - كما يأتي - .
ويدل لذلك أيضاً صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النافلة راكباً على الدابة دون الفريضة - كما ذكرنا
بَعْدُ ، وسبق تخريجه - .
(فائدة) : قال أبو بكر الجصاص في " أحكام القرآن " عند هذه الآية : { وَقُومُوا لِلَّهِ
قَانِتِينَ } :
" تضمن إيجاب القيام فيها . ولما كان القنوت اسماً يقع على الطاعة ؛ اقتضى أن
يكون جميع أفعال الصلاة طاعة ، وألا يتخللها غيرها ؛ لأن القنوت هو الدوام على
الشيء ، فأفاد ذلك النهي عن الكلام فيها ، وعن المشي ، وعن الاضطجاع ، وعن الأكل
والشرب ، وكل فعل ليس بطاعة ؛ لما تضمنه اللفظ من الأمر بالدوام على الطاعات التي
هي من أفعال الصلاة ، والنهي عن قطعها بالاشتغال بغيرها ؛ لما فيه من ترك القنوت
الذي هو الدوام عليها ، واقتضى أيضاً الدوام على الخشوع والسكون ؛ لأن اللفظ ينطوي
عليه ويقتضيه ، فانتظم هذا اللفظ - مع قلة حروفه - جميع أفعال الصلاة ، وأذكارها ،
(1/80)


وأما في السفر ؛ فكان يصلي على راحلته النافلة .
وسَنَّ لأمته أن يصلوا في الخوف الشديد على أقدامهم ، أو ركباناً - كما
تقدم - ، وذلك قوله تعالى :
{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى (1) وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ . فَإِنْ
__________
ومفروضها ، ومسنونها ، واقتضى النهي عن كل فعل ليس بطاعة فيها . والله الموفق والمعين " .
(1) هي صلاة العصر على القول الصحيح عند جمهور العلماء ؛ منهم : أبو حنيفة
وصاحباه ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الأحزاب :
" شغلونا عن الصلاة الوسطى ؛ صلاة العصر ، ملأ الله قبورهم (*) وبيوتهم ناراً ... "
الحديث .
رواه الشيخان وغيرهما عن شُتَير بن شَكَل عنه (**) . وله عنه طرق أخرى .
ورواه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع آخر من الصحابة . وقد ساق أحاديثهم بطرقها الحافظ ابن
كثير في " تفسيره " . فليراجعها من شاء .
وأما قول الإمام محمد عبده في " تفسيره " :
" ولولا أنهم اتفقوا على أنها إحدى الخمس ؛ لكان يتبادر إلى فهمي من قوله :
{ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى } : أن المراد بالصلاة الفعل ، وبـ (الوسطى) : الفضلى ؛ أي : حافظوا
على أفضل أنواع الصلاة ؛ وهي الصلاة التي يحضر فيها القلب ... " إلخ . وقول السيد
رشيد رضا (1/433) :
__________
(*) في أصل الشيخ رحمه الله : " قلوبهم " ؛ تبعاً لابن كثير في " تفسيره " ، والصواب ما أثبتناه ؛
كما في مسلم وغيره .
(**) كذا الأصل ، وطريق شتير هذه تفرد بها مسلم ، ثم رواه هو والبخاري من طريق عَبِيدة
السَّلمْاني عن علي به .
(1/81)


خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا (1) فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا
تَعْلَمُونَ } (البقرة : 238) .
__________
" ليس عندنا نص صريح في الحديث المرفوع ينافي ما ذكره الأستاذ الإمام في
الصلاة الوسطى ؛ فقد قال بعض المحدثين : إن لفظ : " صلاة العصر " في حديث علي
مدرج من تفسير الراوي " .
قلت : فهذا منه مما لا يلتفت إليه بعد ثبوت الأحاديث الكثيرة في أنها صلاة
العصر . (وإذا جاء نهر الله ؛ بطل نهر معقل) .
وأما ما أشار إليه السيد من إعلال الحديث بالإدراج ؛ فليس بشيء ؛ لأمور يطول
الكلام بذكرها ، ويكفي في بيان ذلك أن هذا الإدراج إنما قيل بخصوص طريق واحد من
طرق حديث علي ؛ وهو طريق شُتَيْرٍ هذا .
وأما بقية طرقه عنه ، والطرق الأخرى عن غيره من الصحابة ؛ فليس فيها هذا
الإدراج المزعوم ، ومن طرقه في " المسند " (رقم 1313) من طريق عبيدة قال :
كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح . قال : فحدثنا عليٌّ أنهم يوم الأحزاب
اقتتلوا ، وحبسونا عن صلاة العصر ؛ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" اللهم ! املأ قبورهم ناراً - أو : املأ بطونهم ناراً - ؛ كما حبسونا عن صلاة
الوسطى " . قال : فعرفنا يومئذٍ أن صلاة الوسطى صلاة العصر .
فهذا نص في إبطال الإدراج المزعوم - كما لا يخفى - ، ومن شاء الوقوف على طرق
حديث علي الأخرى المصرحة برفع ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فلينظر " المسند " رقم : (990
و 994 و 1036 و 1132 و 1134 و 1150 و 1151 و 1287 و 13050 و 13070 و 13130
و 13260) .
(1) أي : فصلّوا رجالاً أو ركباناً . قال القرطبي :
(1/82)


و " صلّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضِ موته جالساً " (1) .
__________
" والرِّجَالُ : جمع راجل أو رَجل ؛ من قولهم : رَجَلَ الإنسان يَرْجَل رَجلاً ؛ إذا عدم
الركوب ومشى على قدميه ؛ فهو رَجِل وراجل ورجُل ... " . ثم قال :
" قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة . وحديث ابن عمر يرد عليه ، وظاهر الآية
أقوى دليل عليه ... قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الأركان ؛
دلَّ ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها " .
(1) أخرجه الترمذي (2/196) ، والطحاوي (1/236) ، وأحمد (6/159) من
حديث شَبَابَة بن سَوَّار : نا شعبة عن نعيم ابن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن
عائشة قالت :
صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خلف أبي بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه .
وقال الترمذي :
" حديث حسن صحيح غريب " .
قلت : وهو على شرط مسلم .
وقد أخرجه النسائي (1/127) ، وأحمد أيضاً من حديث بكر بن عيسى - صاحب
البصري - قال : سمعت شعبة به نحوه ، وليس فيه : قاعداً .
وله شاهد من حديث أنس :
أخرجه الترمذي أيضاً (2/197 - 198) ، والطحاوي (1/236) ، وأحمد
(3/243) من طرق عن حميد عن ثابت - قال : ثني ثابت البناني - عن أنس بن مالك
قال :
(1/83)


................................................................................
__________
صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوبٍ متوشحاً به . زاد
الطحاوي :
فكانت آخر صلاة صلاها . وقال الترمذي :
" حسن صحيح " .
قلت : وهو على شرط الشيخين .
وقد أخرجه النسائي (1/127) ، وأحمد (13/159 و 233 و 243) من طرق عن
أنس ؛ فلم يذكر فيه ثابتاً . قال الترمذي :
" والرواية الأولى أصح " .
قلت : وحديث عائشة في البخاري (2/122 و 132 و 137 - 138) ، ومسلم (2/20
- 24) ، والنسائي (1/133 - 134) ، والدارمي (1/287) ، وابن ماجه (1/371 - 373)
والدارقطني (152) ، والطحاوي أيضاً ، والبيهقي (2/304) ، وأحمد (6/224 و 249
و 251) من طرق عنها بلفظ :
فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بالناس جالساً ، وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر .
ففي هذه الرواية أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إماماً بخلاف الأولى ؛ ففيها أنه كان مقتدياً ،
وقد اختلف العلماء في التوفيق بين الروايات على وجوه ذكرها الحافظ في " الفتح " ؛ أَوْلاها
أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى صلاتين في المسجد ؛ كان في إحداهما مأموماً ، وفي الأخرى
إماماً . وإليه ذهب ابن حزم في " المحلى " (3/47) ، والبيهقي ، وقبله ابن حبان ، وقد
ذكر الزيلعي في " نصب الراية " (2/44 - 48) أقوالهما في ذلك ؛ فارجع إليه إن
شئت .
(1/84)


وصلاها كذلكَ مرةً أخرى قبل هذه ؛ حينَ " اشتكى ، وصلّى الناسُ
وراءَهُ قياماً ؛ فأشارَ إليهم أنِ اجْلِسُوا ؛ فجلسوا ، فلما انصرفَ ؛ قال :
" إن كِدْتُم آنفاً لتفعلون فِعْلَ فارسَ والروم : يقومون على مُلوكهم وهم
قُعود ، فلا تفعلوا ؛ إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به ؛ فإذا ركع ؛ فاركعوا ، وإذا رفع ؛
فارفعوا ، وإذا صلى جالساً ؛ فصلُّوا جلوساً [ أجمعون ] " " (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري (2/138 و 467) ، ومسلم (2/19) ، ومالك (1/155) ، وأبو
داود (1/99) ، وابن ماجه (1/374) ، والطحاوي (1/235) ، والبيهقي (2/204
و 261) ، وأحمد (6/51 و 57 و 68 و 148 و 194) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة قالت :
اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه ، فصلى رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالساً ، فصلوا بصلاته قياماً ، فأشار إليهم : أن اجلسوا ... إلخ الحديث .
وقد جاءت هذه القصة من حديث أنس أيضاً .
أخرجه الشيخان ، ومالك ، ومن طريقه محمد في " الموطأ " (113) ، وكذا الدارمي
(1/286) ، وأحمد ، والترمذي (2/194) ، والنسائي (1/128 و 164) ، وسائر الذين
أخرجوا الحديث الأول ؛ رووه من طرق عن الزهري قال : سمعت أنس بن مالك يقول :
سقط النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن فرس ، فَجُحِش شقه الأيمن ، فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت
الصلاة ، فصلى بنا قاعداً ، فصلينا وراءه قعوداً ، فلما قضى الصلاة ؛ قال :
" إنما جعل الإمام ليؤتم به ... " الحديث . وزاد في آخره :
" أجمعون " .
وله في " المسند " (3/200) طريق آخر ، وكذا الطحاوي .
(1/85)


................................................................................
__________
ومن حديث جابر قال :
اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فصلينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيرَه ،
فالتفت إلينا ؛ فرآنا قياماً ، فأشار إلينا ؛ فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلم ؛ قال :
" إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم ؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود ! فلا
تفعلوا ؛ ائتموا بأئمتكم : إن صلى قائماً ؛ فصلوا قياماً ، وإن صلى قاعداً ؛ فصلوا قعوداً " .
أخرجه مسلم (2/19) ، والنسائي (1/178) ، وابن ماجه (1/375) ، والبيهقي
(2/261) ، وأحمد (3/334) من طريق الليث بن سعد عن أبي الزبير عنه .
وأخرجه مسلم ، والنسائي (1/128) ، والطحاوي (1/234) من طريق عبد الرحمن
ابن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير نحوه .
وفيه أن الصلاة صلاة الظهر .
وله طريق ثان : أخرجه أبو داود (1/99) ، والدارقطني (162) ، وأحمد (3/300)
عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال :
صُرِعَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فرس على جذع نخلة فانفكَّت قدمُه ؛ فدخلنا عليه نعوده ...
الحديث بنحوه .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم .
وله طريق ثالث : أخرجه أحمد (3/395) عن سالم بن أبي الجعد عن جابر
نحوه .
وسنده صحيح على شرط مسلم .
{ والحديث مخرج في كتابي " إرواء الغليل " تحت الحديث (394) } .
واعلم أَن في هذه الأحاديث دلالة على أن الإمام إذا صلى جالساً لمرض به ؛
(1/86)


................................................................................
__________
صلى مَن وراءه جالسين ؛ ولو كانوا قادرين على القيام ، والدليل على ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
جعل اتباع الإمام في الجلوس من طاعة الأئمة الواجبة بكتاب الله تعالى ، كما
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" من أطاعني ؛ فقد أطاع الله ، ومن عصاني ؛ فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمير ؛
فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير ؛ فقد عصاني ، إنما الإمام جنة ، فإن صلى قاعداً ؛ فصلوا
قعوداً ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ؛ فقولوا : اللهم ربنا ! ولك الحمد . فإذا وافق قول
أهل الأرض قولَ أهل السماء ؛ غفر له ما مضى من ذنبه " .
أخرجه الطيالسي (336) ، ومن طريقه الطحاوي (1/235) ، و { أبو عوانة [2/109] } ،
وأحمد (2/386 - 387 و 416 و 467) - واللفظ له - ، من طرق عن يعلى بن عطاء قال :
سمعت أبا علقمة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : ... به .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم . وأبو علقمة هذا - هو : المصري مولى بني هاشم - :
لا يعرف إلا بكنيته (*) ، وهو ثقة - كما في " التقريب " - .
وله شاهد من حديث ابن عمر :
أخرجه الطحاوي ، وأحمد (2/93) ، والطبراني في " الكبير " ، وأبو يعلى ، وعن
الثلاثة المقدسي في " المختارة " ، وأبو حاتم البستي عن أبي يعلى وحده من طرق عن عقبة
ابن أبي الصهباء قال : سمعت سالماً يقول : ثني عبد الله بن عمر :
أنه كان يوماً من الأيام عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو في نفر من أصحابه فقال لهم :
" ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ؟ " . فقالوا : بلى ؛ نشهد أنك رسول الله . قال :
" أفلستم تعلمون [ أن ] الله قد أنزل في كتابه أن من أطاعني ؛ فقد أطاع الله ؟ " .
__________
(*) في الأصل : (باسمه) ، والصواب ما أثبتنا .
(1/87)


................................................................................
__________
قالوا : بلى ؛ نشهد أنه من أطاعك ؛ فقد أطاع الله . قال :
" فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ، فان صلوا
قعوداً ؛ فصلوا قعوداً أجمعين " .
وهذا إسناد صحيح أيضاً . قال الترمذي - بعد أن ساق حديث أنس المذكور آنفاً - :
" وقد ذهب بعض أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هذا الحديث ؛ منهم : جابر بن عبد الله ،
وأُسَيد بن حُضير ، وأبو هريرة ، وغيرهم . وبهذا الحديث يقول أحمد وإسحاق " . قال
الحافظ (2/140) :
" وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية ؛ كابن خزيمة ، وابن المنذر ، وابن
حبان " . ا هـ .
وقد نقل الزيلعي في " نصب الراية " (2/49) كلام ابن حبان في ذلك ، وهاك
نصَّه :
" قال في " صحيحه " : وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعداً ؛ كان
على المأمومين أن يصلوا قعوداً . وأفتى به من الصحابة : جابر بن عبد الله ، وأبو هريرة ،
وأسيد بن حضير ، وقيس بن قَهْد (بفتح القاف وسكون الهاء) . ولم يُروَعن غيرهم من
الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع ؛ فكان إجماعاً ، والإجماع عندنا إجماع
الصحابة . وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد ، ولم يُروَ عن غيرهِ من التابعين خلافه
بإسناد صحيح ولا واهٍ ؛ فكان إجماعاً من التابعين أيضاً . وأول من أبطل ذلك في الأمة
المغيرة بن مِقْسَم ، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة ، ثم
عنه أصحابه . وأعلى حديث احتجوا به حديث رواه جابر الجعفي عن الشعبي : قال
عليه الصلاة والسلام :
(1/88)


................................................................................
__________
" لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالساً " .
وهذا لو صح إسناده ؛ لكان مرسلاً ، والمرسل عندنا وما لم يُروَ سيان ، لأنا لو قبلنا
إرسال تابعي - وإن كان ثقة - ؛ لَلَزِمَنَا قبول مثله عن أتباع التابعين ، وإذا قبلنا ؛ لَزِمَنَا قبوله
من أتباع أتباع التابعين ، ويؤدي ذلك إليه أن يقبل من كل أحد إذا قال : قال رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ !
وفي هذا نقض الشريعة ، والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابراً الجعفي ويكذبه ، ثم لما
اضطره الأمر ؛ جعل يحتج بحديثه . وذلك كما أخبرنا به " .
قلت : فساق إسناده إلى أبي يحيى الحماني : " سمعت أبا حنيفة يقول :
ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر
الجعفي ؛ وما أتيته بشيء من رأي قط إلا جاءني فيه بحديث " . ا هـ . ما في " نصب
الراية " ببعض اختصار .
وحديث جابر هذا أخرجه الإمام محمد في " الموطأ " (113) ، واحتج به على نسخ
قوله عليه الصلاة والسلام :
" إذا صلى الإمام جالساً ؛ فصلوا جلوساً أجمعين " . وقد علمت ما فيه .
وقد احتجوا بحجة أخرى على النسخ ؛ وهي ما تقدم من صلاته في مرض موته
بالناس قاعداً وهم قائمون خلفه ، ولم يأمرهم بالقعود . قال الحافظ :
" وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك ، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين :
إحداهما : إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لمرض يرجى برؤه ؛ فحينئذٍ يصلون
خلفه قعوداً .
ثانيهما : إذا ابتدأ الإمام الراتب قائماً ؛ لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً ، سواء طرأ
(1/89)


................................................................................
__________
ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا ؛ كما في الأحاديث التي في مرض موت
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فان تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة ؛
لأن أبا بكر ابتدأ بالصلاة بهم قائماً ، فصلوا معه قياماً ؛ بخلاف الحالة الأولى ؛ فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ابتدأ الصلاة جالساً ، فلما صلوا خلفه قياماً ؛ أنكر عليهم .
ويقوي هذا الجمعَ أن الأصل عدم النسخ ؛ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى
النسخ مرتين ؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعداً ، وقد نسخ إلى
القعود في حق من صلى إمامه قاعداً ، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ
مرتين ، وهو بعيد " . ا هـ .
وللمانعين لدعوى النسخ أجوبة كثيرة تراجع في المطولات ، وقد لخصها المحقق
السندي في " حاشيته على البخاري " ، ثم قال :
" ومما يدل على بقاء الحكم المذكور : أنه قد جعل قعود المقتدي عند قعود الإمام من
جملة الاقتداء بالإمام ، والإجماع على بقاء الاقتداء به ؛ فالظاهر بقاء ما هو من جملة
الاقتداء . وكذا يدل على بقاء الحكم : أنه قد عَلّلَ في بعض الروايات حكم القعود ؛ بأن
القيام عند قعود الإمام من أفعال أهل فارس بعظمائها - يعني : أنه يشبه تعظيم المخلوق
فيما وُضعَ لتعظيم الخالق من الصلاة - ، ولا يخفى بقاء هذه العلة ، والأصل بقاء الحكم
عند دوام العلة .
وللطرفين ها هنا كلمات ، وما ذكرنا فيه كفاية في بيان أن دعوى النسخ لا يخلو عن
نظر " . ا هـ .
ويَرُدُّ هذه الدعوى أيضاً حديثا أبي هريرة وابن عمر المُصَدَّرُ بهما هذا البحث ؛ فقد
جعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة وراء الإمام الجالس جلوساً من طاعة الأئمة ، التي هي من
طاعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وغير معقول أن ينسخ شيء منها . والله أعلم .
(1/90)

0 التعليقات :

إرسال تعليق

يسعدني تفاعلكم