Featured Video

ضع بريدك الالكتروني:

Delivered by FeedBurner

صفة صلاة النبي للألباني ( شبهات وجَوَابها )

شبهات وجوابها

ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب ، وقد ظهر لنا في هذه البرهة (*) أنه كان لها تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن؛لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من الإسلام :الكتاب والسنة ؛ فقد ازداد فيهم - والحمد لله - العاملون بالسنة ،والمتعبدون بها ، حتى صاروا معروفين بذلك ؛ غير أني لمست من بعضهم توقُّفاً عن الاندفاع إلى العمل بها ، لا شكّاً في وجوب ذلك - بعد ما سقنا من الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها - ؛ ولكن لشبهات يسمعونها من بعض المشايخ المقلدين ؛ لذا رأيت أن أتعرض لذكرها ، والرد عليها ، لعل ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها ؛ فيكون من الفرقة الناجية بإذن الله تعالى .
1- قال بعضهم :
" لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شؤون ديننا أمر واجب ، لا سيما فيما كان منها عبادة محضة ، لا مجال للرأي والاجتهاد فيها ؛ لأنها توقيفية ؛ كالصلاة مثلاً ، ولكننا لا نكاد نسمع أحداً من المشايخ المقلدين يأمر بذلك ، بل نجدهم يُقرُّون الاختلاف ، ويزعمون أنه توسعة على الأمة ، ويحتجون على ذلك بحديث - طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادَّين به على أنصار السنة - :  " اختلاف أمتي رحمة " . فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه ، وأَلّفْتَ كتابك هذا وغيره عليه . فما قولك في هذا الحديث ؟ " .
__________
(*) أي بعد طباعة ونشر متن " صفة الصلاة " وتخريجه المختصر ، ومنه أضفنا هذا الفصل المتمم للمقدمة .
(1/38)

والجواب من وجهين :
الأول : أن الحديث لا يصح ؛ بل هو باطل لا أصل له ؛ قال العلامة السبكي: " لم أقف له على سند صحيح ، ولا ضعيف ، ولا موضوع " .
قلت : وإنما روي بلفظ : " ... اختلاف أصحابي لكم رحمة " . و :
" أصحابي كالنجوم ، فبأيهم اقتديتم ؛ اهتديتم " .
وكلاهما لا يصح : الأول : واه جدّاً . والآخر : موضوع . وقد حققت القول
في ذلك كله في " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (رقم 58 و 59 و 61) .
الثاني : أن الحديث - مع ضعفه - مخالف للقرآن الكريم ؛ فإن الآيات
الواردة فيه - في النهي عن الاختلاف في الدين ، والأمر بالاتفاق فيه - أشهر
من أن تذكر ، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال ؛ قال الله
تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (الأنفال : 46) . وقال : { وَلَا
تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } (الروم : 31 - 32) . وقال : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } (هود : 118 - 119) . فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون ، وإنما يختلف أهل الباطل ؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة ؟!
فثبت أن هذا الحديث لا يصح ؛ لا سنداً ولا متناً (1) ، وحينئذٍ يتبين بوضوح
أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة ، الذي أمر به الأئمة .
__________
(1) ومن شاء البسط في ذلك ؛ فعليه بالمصدر السابق .
(1/39)

2- وقال آخرون :
" إذا كان الاختلاف في الدين منهيّاً عنه ؛ فماذا تقولون في اختلاف
الصحابة ، والأئمة من بعدهم ؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم ، واختلاف
غيرهم من المتأخرين ؟ " .
فالجواب : نعم ؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين ، ويظهر ذلك في شيئين :
الأول : سببه .
والآخر : أثره .
فأما اختلاف الصحابة ؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في
الفهم ؛ لا اختياراً منهم للخلاف ، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في
زمنهم ، استلزمت اختلافهم ، ثم زالت من بعدهم (1) ، ومثل هذا الاختلاف لا يمكن الخلاص منه كليّاً ، ولا يلحق أهلَه الذمُّ الواردُ في الآيات السابقة ، وما في معناها ؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة ، وهو القصد ، أو الإصرار عليه.
وأما الاختلاف القائم بين المقلدة ؛ فلا عذر لهم فيه غالباً ؛ فإن بعضهم قد
تتبين له الحجة من الكتاب والسنة ، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب به عادة ، فيدعها لا لشيء ؛ إلا لأنها خلاف مذهبه ، فكأن المذهب عنده هو الأصل ، أو هو الدين الذي جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ ! وآخرون منهم على النقيض من ذلك ؛ فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما بينها من اختلاف واسع - كشرائع متعددة ؛ كما صرح بذلك بعض
__________
(1) راجع " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم ، و " حجة الله البالغة " للدهلوي ، أو
رسالته الخاصة بهذا البحث " عِقد الجِيد في أحكام الاجتهاد والتقليد " .
(1/40)

متأخريهم (1) :
" لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء ، ويدع ما شاء ، إذ الكل
شرع " !
وقد يحتج هؤلاء ، وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل :
" اختلافُ أمتي رحمة " . وكثيراً ما سمعناهم يستدلون به على ذلك !
ويعلل بعضهم هذا الحديث ، ويوجهونه بقولهم :
" إن الاختلاف إنما كان رحمة ؛ لأن فيه توسعة على الأمة " !
ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة ، وفحوى كلمات
الأئمة السابقة ؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده ، قال ابن القاسم :
" سمعت مالكاً والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ليس كما قال ناس : " فيه توسعة " ؛ ليس كذلك ، إنما هو خطأ وصواب " (2) .
وقال أشهب :
" سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أتراه من ذلك في سعة ؟ فقال : لا والله ! حتى يصيب الحق ، ما الحق إلا واحد ، قولان مختلفان يكونان صواباً جميعاً ؟! ما الحق والصواب إلا واحد " (3) .
__________
(1) انظر : " فيض القدير " للمناوي (1/209) ، أو " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (1/76 و 77) .
(2) ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (2/81 و 82) .
(3) المصدر السابق (2/82 و 88 و 89) .
(1/41)

وقال المُزني صاحب الإمام الشافعي :
" وقد اختلف أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فخطَّأ بعضهم بعضاً ، ونظر بعضهم في أقاويل بعض وتعقَّبها ، ولو كان قولهم كله صواباً عندهم ؛ لما فعلوا ذلك ، وغضب عمر بن الخطاب من اختلاف أُبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد ؛ إذ قال أُبي : إن الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل . وقال ابن مسعود : إنما كان ذلك والثياب قليلة . فخرج عمر مغضباً ، فقال :
اختلف رجلان من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن ينظر إليه ، ويؤخذ عنه ! وقد صدق أُبَيّ ، ولم يَأْلُ ابن مسْعود ، ولكني لا أسمع أحداً يختلف فيه بعد مقامي هذا ؛ إلا فعلت به كذا وكذا " (1) .
وقال الإمام المُزَني أيضاً :
" يقال لمن جوَّز الاختلاف ، وزعم أن العالِمَيْن إذا اجتهدا في الحادثة ؛ فقال
أحدهما : حلال . والآخر : حرام . أن كل واحد منهما في اجتهاده مصيب الحق : أَبِأَصْلٍ قلتَ هذا ، أم بقياس ؟ فإن قال : بأصل . قيل له :
كيف يكون أصلاً ، والكتاب ينفي الاختلاف ؟! وإن قلت : بقياس . قيل :
كيف تكون الأصول تنفي الخلاف ، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز
الخلاف ؟! هذا ما لا يجوّزه عاقل ؛ فضلاً عن عالم " (2) .
فإن قال قائل : يخالف ما ذكرتَه عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد
__________
(1) المصدر السابق (2/83 - 84) .
(2) المصدر نفسه (2/89) .
(1/42)

ما جاء في كتاب " المدخل الفقهي " للأستاذ الزرقا (1/89) :
" ولقد هم أبو جعفر المنصور ، ثم الرشيد من بعده أن يختارا مذهب الإمام مالك وكتابه " الموطأ " قانوناً قضائيّاً للدولة العباسية ، فنهاهما مالك عن ذلك وقال :
إن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في البلدان ، وكل مصيب " .
وأقول : إن هذه القصة معروفة مشهورة عن الإمام مالك رحمه الله ، لكن
قوله في آخرها :
" وكل مصيب " . مما لا أعلم له أصلاً في شيء من الروايات ، والمصادر
التي وقفت عليها (1) ، اللهم ! إلا رواية واحدة أخرجها أبو نُعيم في " الحلية " (6/332) بإسناد فيه المقدام بن داود ، وهو : ممن أوردهم الذهبي في " الضعفاء " ، ومع ذلك فإن لفظها : " وكلّ عند نفسه مصيب " . فقوله :  " عند نفسه " . يدل على أن رواية " المدخل " مدخولة ، وكيف لا تكون كذلك ؛ وهي مخالفة لما رواه الثقات عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد ؛ كما سبق بيانه ؟! وعلى هذا كل الأئمة من الصحابة ، والتابعين ، والأئمة الأربعة المجتهدين وغيرهم .
قال ابن عبد البر (2/88) :
" ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ؛ ما خطَّأ السلف بعضهم بعضاً
في اجتهادهم ، وقضائهم ، وفتواهم ، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صواباً
__________
(1) راجع " الانتقاء " لابن عبد البر (41) ، و " كشف المغطا في فضل الموطا " (ص 6 - 7)
للحافظ ابن عساكر ، و " تذكرة الحفاظ " للذهبي (1/195) .
(1/43)

كله ، ولقد أحسن من قال :
إثبات ضدين معاً في حال ... أقبح ما يأتي من المحال " .
فإن قيل : إذا ثبت أن هذه الرواية باطلة عن الإمام ؛ فلماذا أبى الإمام على
المنصور أن يجمع الناس على كتابه " الموطأ " ، ولم يُجِبهُ إلى ذلك ؟
فأقول : أحسن ما وقفت عليه من الرواية ما ذكره الحافظ ابن كثير في
" شرح اختصار علوم الحديث " (ص 31) ، وهو أن الإمام مالكاً قال :
" إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها " .
وذلك من تمام علمه وإنصافه ؛ كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى .
فثبت أن الخلاف شرٌّ كلُّه ، وليس رحمة ، ولكن منه ما يؤاخذ عليه
الإنسان ؛ كخلاف المتعصبة للمذاهب ، ومنه ما لا يؤاخذ عليه ؛ كخلاف
الصحابة ومن تابعهم من الأئمة ؛ حشرنا الله في زمرتهم ووفقنا لاتباعهم .
فظهر أن اختلاف الصحابة هو غير اختلاف المقلدة .
وخلاصته :
إن الصحابة اختلفوا اضطراراً ، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف ، ويفرون
منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً .
وأما المقلدة - فمع إمكانهم الخلاص منه ، ولو في قسم كبير منه - ؛ فلا
يتفقون ، ولا يسعون إليه ؛ بل يقرونه ، فشتان إذن بين الاختلافين .
ذلك هو الفرق من جهة السبب .
وأما الفرق من جهة الأثر ؛ فهو أوضح ؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم
- مع اختلافهم المعروف في الفروع - كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر
(1/44)

الوحدة ، بعيدين كل البعد عما يفرق الكلمة ، ويصدع الصفوف ؛ فقد كان
فيهم - مثلاً - من يرى مشروعية الجهر بالبسملة ، ومن يرى عدم مشروعيته ، وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين ، ومن لا يراه ، وفيهم من يرى نقض الوضوء بمس المرأة ، ومن لا يراه ؛ ومع ذلك ؛ فقد كانوا يصلون جميعاً وراء إمام واحد ، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلافٍ مذهبي . 
وأما المقلدون ؛ فاختلافهم على النقيض من ذلك تماماً ؛ فقد كان من آثاره
أن تفرق المسلمون في أعظم ركن بعد الشهادتين ؛ ألا وهو الصلاة ، فهم يأبون أن يصلوا جميعاً وراء إمام واحد ؛ بحجة أن صلاة الإمام باطلة ، أو مكروهة على الأقل بالنسبة إلى المخالف له في مذهبه ، وقد سمعنا ذلك ، ورأيناه كما رآه غيرنا (1) ، كيف لا ؛ وقد نصت كتب بعض المذاهب المشهورة اليوم على الكراهة ، أو البطلان ؟! وكان من نتيجة ذلك أن تجد أربعة محاريب في المسجد الجامع ، يصلي فيها أئمةٌ أربعةٌ متعاقبين ، وتجد أناساً ينتظرون إمامهم بينما الإمام الآخر قائم يصلي !
بل لقد وصل الخلاف إلى ما هو أشد من ذلك عند بعض المقلدين ؛ مثاله منع
التزاوج بين الحنفي والشافعية ، ثم صدرت فتوى من بعض المشهورين عند الحنفية
- وهو الملقب بـ : (مفتي الثقلين) - ؛ فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية ، وعلل ذلك بقوله :
" تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب " (2) ! ومفهوم ذلك - ومفاهيم الكتب معتبرة
عندهم - أنه لا يجوز العكس ، وهو تزوج الشافعي بالحنفية ؛ كما لا يجوز تزوج الكتابي بالمسلمة !!
__________
(1) راجع (الفصل الثامن) من كتاب " ما لا يجوز فيه الخلاف " (ص 65 - 72) ؛ تجد
أمثلة عديدة مما أشرنا إليه ؛ وقعت بعضها من بعض علماء الأزهر !
(2) " البحر الرائق " .
(1/45)

هذان مثالان من أمثلة كثيرة ، توضح للعاقل الأثر السيِّئ الذي كان نتيجة
اختلاف المتأخرين وإصرارهم عليه ؛ بخلاف السلف ، فلم يكن له أي أثر سيِّئ في الأمة ؛ ولذلك فَهُمْ في منجاة من أن تشملهم آيات النهي عن التفرق في الدين ؛ بخلاف المتأخرين . هدانا الله جميعاً إلى صراطه المستقيم .
وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرره فيما بينهم ، ولم يتعده إلى
غيرهم من أمة الدعوة ، إذن ؛ لهان الخطب بعض الشيء ، ولكنه - ويا للأسف ! -
تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار ، فصدوهم بسبب
اختلافهم عن الدخول في دين الله أفواجاً ! جاء في كتاب " ظلام من الغرب " للأستاذ الفاضل محمد الغزالي (ص 200) ما نصه :
" حدث في المؤتمر الذي عقد في جامعة " برينستون " بأمريكا أن أثار أحد
المتحدثين سؤالاً - كثيراً ما يثار في أوساط المستشرقين ، والمهتمين بالنواحي الإسلامية - ؛ قال :
بأي التعاليم يتقدم المسلمون إلى العالم ؛ ليحددوا الإسلام الذي يدعون
إليه ؟ أبتعاليم الإسلام كما يفهمها السنيون ؟ أم بالتعاليم التي يفهمها الشيعة
من إمامية ، أو زيدية ؟ ثم إن كلاً من هؤلاء وأولئك مختلفون فيما بينهم .
وقد يفكر فريق منهم في مسألة ما تفكيراً تقدمياً محدوداً ، بينما يفكر
آخرون تفكيراً قديماً متزمتاً .
والخلاصة ؛ أن الداعين إلى الإسلام يتركون المدعوين إليه في حيرة ؛
(1/46)

لأنهم هم أنفسهم في حيرة " (1) .
وفي مقدمة رسالة " هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جابان " للعلامة محمد سلطان المعصومي رحمه الله تعالى :
" إنه كان ورد عليّ سؤال من مسلمي بلاد جابان - يعني : اليابان - من بلدة (طوكيو) و (أوصاكا) في الشرق الأقصى ، حاصله :

__________
(1) وأقول الآن :
لقد كشفت كتابات الغزالي الكثيرة في أيامه الأخيرة - مثل كتابه الذي صدر أخيراً
بعنوان : " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث " - أنه هو نفسه من أولئك الدعاة الذين " هم أنفسهم في حيرة " ! ولقد كنا نلمس منه قبل ذلك من بعض أحاديثه ومناقشاتنا له في بعض المسائل الفقهية ومن بعض كتاباته في بعض مؤلفاته ما ينم عن مثل هذه الحيرة ، وعن انحرافه عن السنة ، وتحكيمه لعقله في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ؛ فهو في ذلك لا يرجع إلى علم الحديث وقواعده ، ولا إلى العارفين به ، والمتخصصين فيه ؛ بل ما أعجبه منه ؛ صححه ، ولو كان ضعيفاً ! وما لم يعجبه منه ؛ ضعفه ، ولو كان صحيحاً متفقاً عليه ! ...
وقد قام كثير من أهل العلم والفضل جزاهم الله خيراً بالرد عليه ، وفصلوا القول في حيرته وانحرافه . ومن أحسن ما وقفت عليه رد صاحبنا الدكتور ربيع بن هادي المدخلي في مجلة (المجاهد) الأفغانية (العدد 9 - 11) ، ورسالة الأخ الفاضل صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ ، المسمى : " المعيار لعلم الغزالي " (*) .
__________
(*) انظر التعليق كاملاً في " صفة الصلاة " (طبعة المعارف /ص 66 - 68) ، وراجع إن شئت
" السلسلة الصحيحة " (7/833) .
(1/47)

ما حقيقة دين الإسلام ؟ ثم ما معنى المذهب ؟ وهل يلزم من تشرف بدين الإسلام أن يتمذهب على أحد المذاهب الأربعة ؟ أي : أن يكون مالكيّاً ، أو حنفيّاً ، أو شافعيّاً ، أو غيرها ، أو لا يلزم ؟ لأنه قد وقع هنا اختلاف عظيم ، ونزاع وخيم ؛ حينما أراد عدة أنفار من متنوري الأفكار من رجال (يابونيا) أن يدخلوا في دين الإسلام ، ويتشرفوا بشرف الإيمان ، فعرضوا ذلك على جمعية المسلمين الكائنة في (طوكيو) . فقال جمع من أهل الهند :
ينبغي أن يختاروا مذهب الإمام أبي حنيفة ؛ لأنه سراج الأمة .
وقال جمع من أهل أندونيسيا (جاوا) : يلزم أن يكون شافعيّاً ! فلما سمع الجابانيون كلامهم ؛ تعجبوا جدّاً ، وتحيروا فيما قصدوا ، وصارت مسألة المذاهب سدّاً في سبيل إسلامهم ! " .
3- ويزعم آخرون أن معنى هذا الذي تدعون إليه من الاتباع للسنة ، وعدم الأخذ بأقوال الأئمة المخالفة لها ؛ ترك الأخذ بأقوالهم مطلقاً ، والاستفادة من اجتهاداتهم وآرائهم .
فأقول : إن هذا الزعم أبعد ما يكون عن الصواب ؛ بل هو باطل ظاهر البطلان ، كما يبدو ذلك جليّاً من الكلمات السابقة ؛ فإنها كلها تدل على خلافه ، وأن كل الذي ندعو إليه إنما هو ترك اتخاذ المذاهب ديناً ، ونصبها مكان الكتاب والسنة ؛ بحيث يكون الرجوع إليها عند التنازع ، أو عند إرادة استنباط أحكام جديدة لحوادث طارئة ؛ كما يفعل متفقهة هذا الزمان ، وعليه وضعوا
الأحكام الجديدة للأحوال الشخصية ، والنكاح والطلاق ، وغيرها ؛ دون أن يرجعوا فيها إلى الكتاب والسنة ، ليعرفوا الصواب منها من الخطأ ، والحق من الباطل ، وإنما على طريقة : " اختلافهم رحمة " ! وتتبع الرخص ، والتيسير ، أو
(1/48)

المصلحة - زعموا - ، وما أحسن قول سليمان التيمي رحمه الله تعالى : " إن أخذتَ برخصة كل عالم ؛ اجتمع فيك الشر كله " .
رواه ابن عبد البر (2/91 - 92) ، وقال عقبه : " هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً " .
فهذا الذي ننكره ، وهو وفق الإجماع - كما ترى - .
وأما الرجوع إلى أقوالهم ، والاستفادة منها ، والاستعانة بها على تفهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه ، مما ليس عليه نص في الكتاب والسنة ، أو ما كان منها بحاجة إلى توضيح ؛ فأمر لا ننكره ، بل نأمر به ، ونحض عليه ؛ لأن الفائدة منه مرجوة لمن سلك سبيل الاهتداء بالكتاب والسنة .
قال العلامة ابن عبد البر رحمه الله تعالى (2/172) :
" فعليك يا أخي ! بحفظ الأصول والعناية بها ، واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ، ونظر في أقاويل الفقهاء - فجعله عوناً له على اجتهاده ، ومفتاحاً لطرائق النظر ، وتفسيراً لجمل السنن المحتملة للمعاني - ، ولم يقلد أحداً منهم تقليد السنن ، التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر ، ولم يُرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن
وتدبُّرِها ، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر ، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه ، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ، ولم يبرئهم من الزلل ؛ كما لم يبرئوا أنفسهم منه ؛ فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح ، وهو المصيب لحظه ، والمعاين لرشده ، والمتبع لسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهدي صحابته رضي الله عنهم .
ومن أعَفَّ نفسه من النظر ، وأضرب عما ذكرنا ، وعارض السنن برأيه ،
(1/49)

ورام أن يردها إلى مبلغ نظره ؛ فهو ضال مضل ، ومن جهل ذلك كله أيضاً ، وتقحم في الفتوى بلا علم ؛ فهو أشد عمى ، وأضل سبيلاً " .
فهذا الحق ليس به خفاءُ ... فدعني عن بُنَيّات الطريقِ
التي تبين لهم أن المذاهب على خلافها ، وهر ظنهم أن اتباع السنة يستلزم تخطئة صاحب المذهب ،والتخطئة معناها عندهم : الطعن في الإمام ، ولما كان الطعن في فرد من أفراد المسلمين لا يجوز ؛ فكيف في إمام من أئمتهم ؟!
والجواب : أن هذا المعنى باطل ؛ وسببه الانصراف عن التفقه في السنة ، وإلا ؛ فكيف يقول ذلك المعنى مسلم عاقل ؟! ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو القائل : " إذا حكم الحاكم ، فاجتهد ، فأصاب ؛ فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ، فأخطأ ؛ فله أجر واحد " (1) .
فهذا الحديث يرد ذلك المعنى ، ويبين بوضوح لا غموض فيه أن قول القائل : (أخطأ فلان) معناه في الشرع : (أثيب فلان أجراً واحداً) ، فإذا كان مأجوراً في رأي من خطأه ؛ فكيف يتوهم من تخطئته إياه الطعن فيه ؟! لا شك أن هذا التوهم أمر باطل ، يجب على كل من قام به أن يرجع عنه ، وإلا ؛ فهو الذي يطعن في المسلمين ، وليس في فرد عادي منهم ، بل في كبار أئمتهم ؛
من الصحابة ، والتابعين ، ومَن بعدهم مِن الأئمة المجتهدين وغيرهم ، فإننا نعلم يقيناً أن هؤلاء الأجلَّة كان يخَطِّئ بعضهم بعضاً ، ويرد بعضهم على بعض (2) ، أفيقول عاقل : إن بعضهم كان يطعن في بعض . بل لقد صح أن 4- ثم إن هناك وهماً شائعاً عند بعض المقلدين ، يصدهم عن اتباع السنة ،
__________
(1) [ رواه ] البخاري ، ومسلم .
(2) انظر كلام الإمام المزني المتقدم آنفاً (ص 42) ، وكلام الحافظ ابن رجب المتقدم
(ص 33 - 34) .
(1/50)

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطَّأ أبا بكر رضي الله عنه في تأويله لرؤيا كان رآها رجل ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له :
" أصبت بعضاً ، وأخطأت بعضاً " (1) . فهل طعن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي بكر بهذه الكلمة ؟!
ومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه ؛ أنه يصدهم عن اتباع السنة المخالفة لمذهبهم ؛ لأن اتباعهم إياها معناه عندهم : الطعن في الإمام ، وأما اتباعهم إياه - ولو في خلاف السنة - فمعناه احترامه : وتعظيمه ! ولذلك فهم يصرون على تقليده ؛ فراراً من الطعن الموهوم .
ولقد نسي هؤلاء - ولا أقول : تناسوا - أنهم بسبب هذا الوهم ؛ وقعوا فيما هو شر مما منه فروا ، فإنه لو قال لهم قائل : إذا كان الاتباع يدل على احترام المتبوع ، ومخالفته تدل على الطعن فيه ؛ فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذهب في خلاف السنة ، وهو غير
معصوم ، والطعن فيه ليس كفراً ؟! فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعناً فيه ؛ فمخالفته الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أظهر في كونها طعناً فيه ؛ بل ذلك هو الكفر بعينه - والعياذ بالله منه - . لو قال لهم ذلك قائل ؛ لم يستطيعوا عليه جواباً ؛ اللهم !
إلا كلمة واحدة - طالما سمعناها من بعضهم - وهي قولهم : إنما تركنا السنة ؛ ثقةً منا بإمام المذهب ، وأنه أعلم بالسنة منا .
وجوابنا على هذه الكلمة من وجوه يطول الكلام عليها في هذه المقدمة ؛ ولذلك فإني أقتصر على وجه واحد منها ، وهو جواب فاصل بإذن الله ، فأقول :
ليس إمام مذهبكم فقط هو أعلم منكم بالسنة ؛ بل هناك عشرات ؛ بل مئات الأئمة هم أعلم أيضاً منكم بالسنة ، فإذا جاءت السنة الصحيحة على
__________
(1) [ رواه ] البخاري ، ومسلم . وراجع سببه ، وتخريجه في " الأحاديث الصحيحة " (121) .
(1/51)

خلاف مذهبكم - وكان قد أخذ بها أحد من أولئك الأئمة - ؛ فالأخذ بها - والحالة هذه - حتم لازم عندكم ؛ لأن كلمتكم المذكورة لا تَنْفُق هنا ، فإن مخالفكم سيقول لكم معارضاً : إنما أخذنا بهذه السنة ؛ ثقة منا بالإمام الذي أخذ بها ؛ فاتباعه أولى من اتباع الإمام الذي خالفها . وهذا بيِّن لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى . ولذلك ؛ فإني أستطيع أن أقول : إن كتابنا هذا لمَّا جمع السنن الثابتة عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفة صلاته ؛ فلا عذر لأحد في ترك العمل بها ؛ لأنه ليس فيه ما اتفق العلماء على تركه - حاشاهم من ذلك - ؛ بل ما من مسألة وردت فيه ؛ إلا وقد قال بها طائفة منهم ، ومن لم يقل بها ؛ فهو معذور ، ومأجور أجراً واحداً ؛ لأنه لم يرد إليه النص بها إطلاقاً ، أو ورد لكن بطريق لا تقوم عنده به الحجة ، أو لغير ذلك من الأعذار
المعروفة لدى العلماء . وأما من ثبت النص عنده من بعده ؛ فلا عذر له في تقليده ؛ بل الواجب اتباع النص المعصوم ، وذلك هو المقصود من هذه المقدمة ، والله عزَّ وجلَّ يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (الأنفال : 24) .
والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل ، وهو نعم المولى ونعم النصير . وصلى الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق 5/20/1381 هـ
(1/52)

0 التعليقات :

إرسال تعليق

يسعدني تفاعلكم