Featured Video

ضع بريدك الالكتروني:

Delivered by FeedBurner

صفة صلاة النبي للألباني ( استقبال الكعبة )


استقبال الكعبة
كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام إلى الصلاة ؛ استقبل الكعبة في الفرض والنفل (1) ، وأمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك ؛ فقال لـ (المسيء صلاته) :
" إذا قمتَ إلى الصلاة ؛ فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة ، فكبر " (2) .
__________
(1) هذا شيء مقطوع به ؛ لتواتره عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفيه أحاديث كثيرة ؛ منها حديث ابن عمر وغيره - كما يأتي قريباً -
(2) هذا قطعة من الحديث المشهور بـ : (حديث المسيء صلاته) ؛ وهو من حديث
أبي هريرة - { وهو مخرج في " الإرواء " (289) } - :
أن رجلاً دخل المسجد يصلي ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ناحية المسجد ، فجاء فسلَّم عليه ، فقال له : " [ وعليك السلام ] ، ارجع فصل ؛ فإنك لم تصل " . فرجع فصلى ، ثم سلم ، فقال : " وعليك [ السلام ] ، ارجع فصل ؛ فإنك لم تصل " . فقال في الثالثة : فعلمني ؟ قال : " إذا قمت إلى الصلاة ؛ فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة ، فكبر ، واقرأ بما تيس معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً ، ثم اسجد حت تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تستوي قائماً ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " .
أخرجه البخاري (11/31 و 467) ، ومسلم (2/10 - 11) ، وابن ماجه (1/327) ، والبيهقي (2/15 و 372) من طريق عبد الله بن نمير وأبي أسامة حماد بن أسامة ؛ كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عنه .
وأخرجه أبو داود (1/136) ، والنسائي (41) ، والترمذي (2/103) ، وأحمد
(1/55)


................................................................................
__________
(2/437) من طريق يحيى بن سعيد القطان : ثنا عبيد الله بن عمر : أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة به . لكن ليس فيه ذكر استقبال القبلة ، وزاد في
السند - كما ترى - : (عن أبيه) وكذلك أخرجه البخاري (2/191 و 219 و 222) ، ومسلم ، والبيهقي (2/37 و 62 و 372) في رواية لهم . وقال الترمذي :
" إنها أصح من رواية ابن نمير " . ومال الحافظ في " الفتح " إلى صحة الروايتين ، وهو
الصواب إن شاء الله .
وللحديث شاهد صحيح من رواية رفاعة بن رافع البدري :
أخرجه البخاري في " جزء القراءة " (11 - 12) ، والنسائي (1/194) ، والحاكم
(1/242) من طريق داود بن قيس ، والبخاري ، والنسائي (161 و 193) أيضاً ،
والشافعي في " الأم " (1/88) ، والبيهقي (2/372) ، وأحمد (4/340) عن محمد بن
عجلان ، وأبو داود (1/137) عن محمد بن عمرو ؛ ثلاثتهم عن علي بن يحيى بن
خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري قال : ثني أبي عن عم له بدريّ - وقال محمد بن
عمرو : عن رِفاعة بن رافع -... بهذه القصة .
وهذا سند صحيح . رجاله رجال البخاري .
وهذا في " السند " (4/340) من طريق محمد بن عمرو عن علي بن يحيى عن رفاعة .
فأسقط من الإسناد : (عن أبيه) .
وكذلك ذكره البيهقي .
ثم رواه (2/374) من طريق أبي داود ، وكذا رواه الطحاوي (1/232) عن شريك
ابن أبي نَمِرٍ ؛ دون ذكر الأب . ثم قال البيهقي :
(1/56)


................................................................................
__________
" والصحيح رواية داود بن قيس ومن وافقه " .
قلت : وممن وافقه على إقامة إسناده - سوى من ذكرنا - :
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة : عند أبي داود ، والبخاري ، والنسائي (171) ،
والدارمي (1/305) ، والحاكم (1/241) ، ومن طريقه البيهقي (2/102 و 345) ، وابن حزم في " المحلى " (3/256) . وقال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " .
قلت : علي بن يحيى بن خلاد وأبوه لم يخرج لهما مسلم شيئاً ؛ فهو على شرط البخاري .
وممن وافقه أيضاً :
يحيى بن علي بن خلاد : أخرجه أبو داود ، والترمذي (2/100 - 102) وحسنه ،
والنسائي (1/108) ، والطحاوي ، والحاكم ، والطيالسي (196) .
ومحمد بن إسحاق : رواه أبو داود ، وعنه البيهقي (2/133) ، والحاكم (1/243) ؛
كل هؤلاء رووه عن علي بن يحيى عن أبيه عن عمه رفاعة .
ولكن ليس عند هؤلاء الثلاثة الآخرين ذكر استقبال القبلة أيضاً .
وكذلك أخرجه الشافعي في " الأم " عن إبراهيم بن محمد عن علي به .
ولا يضر ذلك في هذه الزيادة ؛ لأنها زيادة من ثقات ؛ فيجب قبولها ، لا سيما وأن هذا الحديث قد اختلف فيه الرواة كثيراً في ألفاظه ؛ فيزيد بعضهم على بعض ، ويقصر بعضهم عن بعض ؛ فيجب الأخذ بالزائد بشرطه المعلوم في مصطلح الحديث .
وقد جمع الحافظ في " الفتح " جميع ألفاظ الحديث تقريباً . فليراجعه من شاء الاستقصاء . وسيأتي بعض ألفاظه في الأماكن المناسبة لها ؛ كـ : (التكبير) في موضعين منه ، و (الاستفتاح) ، و (القراءة بـ : { أم القرآن }) ، وغيرها من المواضع .
(1/57)


و " كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السفر يصلي النوافل على راحلته ، ويوتر عليها حيث توجهت به [ شرقاً وغرباً ] (*) " ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمُّ وَجْهُ اللَّهِِ } (البقرة : 115) .
و " كان يركع ويسجد على راحلته إيماءً برأسه ، ويجعل السجود أخفض
من الركوع " (1) .
__________
(*) زيادة من " صفة الصلاة " المطبوع .
(1) قد جاء ذلك في عدة أحاديث :
الأول : حديث عبد الله بن عمر قال :
كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! يُسَبِّحُ على الراحلة قِبَلَ أيِّ وجه توجه ، ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة .
أخرجه البخاري (2/460) ، ومسلم (2/150) ، وأبو داود (1/190 - 191) ،
والنسائي (1/85 و 122) ، والطحاوي (1/249) ، والبيهقي (2/491) من طريق ابن
شهاب عن سالم عنه . وفي لفظ : كان يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به
أخرجه البخاري (2/459) ، ومالك (1/165) ، والشافعي (1/84) عنه ، ومسلم
أيضاً ، وكذا النسائي ، والترمذي (2/183) ، والبيهقي ، والطيالسي (256) ، وأحمد
(2/7 و 38 و 44 و 46 و 56 و 66 و 72 و 75 و 81) من طرق عنه .
وزاد البخاري في رواية (2/392) :
يُوْمِئُ إيْمَاءً .
وكذا في رواية لأحمد (3/73) ، وزاد :
(1/58)


................................................................................
__________
ويجعل السجود أخفض من الركوع . وفي لفظ :
كان يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه . قال : وفيه
نزلت : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } .
أخرجه مسلم ، والنسائي ، والترمذي (2/159 - طبع بولاق) - وقال : " حسن
صحيح " - ، والبيهقي (2/4) ، وأحمد (2/20) عن عبد الملك بن أبي سليمان : ثنا
سعيد بن جبير عنه .
وفى رواية عن سعيد بن يسار عنه قال :
رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على حمار وهو متوجّه إلى خيبر .
أخرجه مسلم ، ومالك (1/365) ، والشافعي ، وأبو داود ، والنسائي (1/121) - وله
عنده شاهد من حديث أنس بسند حسن ؛ وبذلك يَخْرُجُ الحديث عن كونه شاذاً ؛ كما
أعله النووي في " شرح مسلم " ، وأشار إلى ذلك ابن القيم (1/187) ، ورددنا عليه مطولاً
في " التعليقات " - ، والبيهقي ، والطيالسي (255) ، وأحمد (2/49 و 57 و 75 و 83) ،
وزاد في رواية :
قبل المشرق تطوعاً .
وإسنادها صحيح .
الثاني : حديث عامر بن ربيعة قال :
رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو على الراحلة يُسَبِّحُ ؛ يومئ برأسه قِبَلَ أيِّ وجه توجه . ولم
يكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة .
أخرجه البخاري (2/460) ، والدارمي (1/356) ، والبيهقي (2/7) ، وأحمد
(3/446) . ورواه مسلم (2/150) بلفظ :
(1/59)


................................................................................
__________
رأى رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث
توجهت به .
وهو رواية لأحمد (3/344) .
الثالث : عن أنس بن سيرين قال :
استقبلنا أنساً حين قدم من الشام ، فلقيناه بعَيْن التَّمْر ، فرأيته يصلي على حمار ،
ووجهه من ذا الجانب - يعني : عن يسار القبلة - . فقلت : رأيتك تصلي لغير القبلة ؟! فقال :
لولا أفي رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعله ؛ لم أفعله .
أخرجه الشيخان ، والبيهقي (2/5) ، وأحمد (3/204) . وقد رواه مختصراً
(3/126) بلفظ :
كان يصلي على ناقته تطوعاً في السفر لغير القبلة .
الرابع : عن عثمان بن عبد الله بن سُراقة عن جابر بن عبد الله قال :
رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهاً قبل المشرق تطوعاً .
أخرجه البخاري (7/346) ، والشافعي (1/84) ، والبيهقي (2/4) ، وأحمد
(3/300) عن ابن أبي ذئب عنه .
ورواه أبو داود (1/191) ، والترمذي (2/182) ، والبيهقي (2/5) ، وأحمد
(3/332) عن سفيان الثوري .
والبيهقي ، وأحمد (3/296 و 380) عن ابن جريج : أخبرني أبو الزبير : أنه سمع
جابراً - وقال سفيان : عن أبي الزبير عن جابر - قال :
بعثني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حاجة . قال : فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق ، والسجود أخفض من الركوع . وقال الترمذي :
(1/60)


................................................................................
__________
" حسن صحيح " . وهو على شرط مسلم . قال الحافظ في " التلخيص " (3/211) :
"ورواه ابن خزيمة ، ولابن حبان نحوه " . ا هـ .
وفي رواية لأحمد (3/351) من طريق هشام عن أبي الزبير :
ورأيته يركع ويسجد . وله لفظ آخر عند البخاري وغيره يأتي قريباً . قال الترمذي :
" والعمل على هذا عند أهل العلم ، لا نعلم بينهم اختلافاً ؛ لا يرون بأساً أن يصلي
الرجل على راحلته تطوعاً حيث ما كان وجهه ؛ إلى القبلة وغيرها " . وقال الحافظ
(2/460) :
" وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار ، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا
يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة ، والحجة لذلك حديث الجارود
ابن أبي سبرة عن أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر ؛ استقبل بناقته القبلة ... " الحديث . وهو مذكور في الأصل (*) . قال :
" واختلفوا في الصلاة على الدواب في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة ؛ فذهب
الجمهور إلى جواز ذلك في كل سفر ، غير مالك ؛ فخصه بالسفر الذي تقصر فيه
الصلاة . قال الطبري : لا أعلم أحداً وافقه على ذلك .
قلت : ولم يُتَّفق على ذلك عنه ، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في
أسفاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم ينقل عنه أنه سافر سفراً قصيراً فصنع ذلك .
وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك . واحتج الطبري للجمهور من طريق النظر " .
فانظر كلامه في " الفتح " .
__________
(*) أي : المتن . انظر (ص 63) .
(1/61)


................................................................................
__________
قلت : وفي قول ابن عمر : وكان يوتر عليها . دليل على أنه يجوز الوتر أيضاً على
الراحلة .
وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور - كما في " شرح مسلم " للنووي - ،
وذهب أئمتنا الثلاثة إلى أنه لا يجوز ذلك .
وأجاب الطحاوي (1/249) عن الأحاديث الواردة في الإيتار على الراحلة - وقد
ساقها من طرف عن ابن عمر - بأنها منسوخة . قال : " وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله " .
واحتج على ذلك بما رواه من طريق يزيد بن سنان قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا
حنظلة بن أبي سفيان عن نافع عن ابن عمر :
أنه كان يصلي على راحلته ، ويوتر بالأرض ، ويزعم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك .
وهذا سند صحيح .
وهذا لا دليل فيه على النسخ مطلقاً ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما كان يوتر على الراحلة – أوتر أيضاً على الأرض . وهذا هو الأصل ، والأول جاء للرخصة ؛ فلا تعارض . وقد قال
الحافظ في " الفتح " (2/458) : " قوله : (ويوتر عليها) : لا يعارض ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير :
أن ابن عمر كان يصلي على الراحلة تطوعاً ، فإذا أراد أن يوتر ؛ نزل فأوتر على الأرض .
لأنه محمول على أنه فعل كلا الأمرين ، ويؤيد روايةَ الباب ما تقدم في (أبواب الوتر) أنه أنكر على سعيد بن يسار نزوله الأرض ليوتر ؛ وإنما أنكر عليه - مع كونه كان
يفعله - ؛ لأنه أراد أن يبين له أن النزول ليس بحتم " . ا هـ .
قلت : وفي إنكاره ذلك أكبر دليل على أنه لا نسخ هنالك .
(1/62)


و " كان - أحياناً - إذا أراد أن يتطوع على ناقته ؛ استقبل بها القبلة ، فكبر ، ثم صلى حيث وجَّهَهُ رِكَابُهُ " (1) .
__________
(1) أخرجه أبو داود (1/191) ، { وابن حبان في " الثقات " (4/14) } ، والدارقطني (152) ، والبيهقي (2/5) ، والطيالسي (282 - 283) ، وأحمد (3/203) ، والضياء في " المختارة " (2/72) من طريق رِبْعِىّ بن عبد الله بن الجارود : ثنا عمرو بن أبي
الحجاج : ثنا الجارود بن أبي سَبْرَة : ثني أنس بن مالك :
أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع ؛ استقبل بناقته القبلة ، فكبَّر، ثم صلى حيث وجهه ركابه . لفظ أبي داود . وقال أحمد وغيره : حيثما توجهت به .
وهذا إسناد حسن - كما قال النووي في " المجموع " (3/234) ، والحافظ في " بلوغ
المرام " (1/189) - ، وصححه ابن السكن - كما في " التلخيص " (3/213) - ، { وابن
الملقن في " خلاصة البدر المنير " (22/1) ، ومن قبل عبد الحق الإشبيلي في " أحكامه "
(رقم 1394 - بتحقيقي) وبه قال أحمد - فيما رواه ابن هانئ في " مسائله " (1/67) - } .
وأعله ابن القيم في " الزاد " بقوله :
" وفي هذا الحديث نظر ، وسائر من وصف صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قِبَل أي جهة توجهت به ، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها ؛ كعامر بن ربيعة ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأحاديثهم أصح من حديث
أنس هذا . والله أعلم " .
قلت : وهذا غير قادح في الحديث بعد أن ثبت إسناده ؛ لأنه يجوز أن يكون قد علم
ما لم يعلمه غيره ، ومن علم حجة على من لم يعلم .
ويجوز أيضاً أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام كان أحياناً يستقبل بناقته القبلة عند
التكبير ؛ بياناً لما هو الأفضل - كما رواه أنس - ، وأحياناً لا يستقبل ، بل كيفما تيسر ؛
(1/63)


................................................................................
__________
بياناً للجواز . وعليه تحمل الأحاديث الصحيحة التي أشار إليها ابن القيم ، وبذلك يجمع بين الأحاديث ، ولا يجوز ضرب بعضها ببعض . هذا ما ظهر لي . والله تعالى أعلم .
وأما الشوكاني ؛ فقال (2/144) :
" والحديث يدل على جواز التنفل على الراحلة ، وعلى أنه لا بد من الاستقبال حال
تكبيرة الإحرام ، ثم لا يضر الخروج بعد ذلك عن سَمْتِ القبلة " . ا هـ .
أقول : ولا دلالة في الحديث على أنه لا بد من الاستقبال في تلك الحال ؛ لأنه
فعلٌ ، وغاية ما يدل عليه : أن ذلك يشرع ويستحب ، لا سيما وأنه لم يكن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ذلك دائماً - كما سبق - ؛ ولذلك قال الإمام أحمد - فيما رواه عنه أبو داود في " مسائله "
(ص 76) :
" إذا تطوع الرجل على راحلته ؛ يعجبني أن يستقبل القبلة بالتكبير على حديث
أنس " (1) . وذكر نحوه عبد الله بن أحمد في " مسائله " أيضاً عنه .
وللشافعية في وجوب الاستقبال في هذه الحالة وجوه ؛ أصحها - كما قال النووي في
" المجموع " (3/234) ؛ - : إنه إن سهل عليه ذلك ؛ وجب ، وإلا ؛ فلا . قال :
" فالسهل أن تكون الدابة واقفة ، وأمكن انحرافه عليها أو تحريفها ، أو كانت سائرة وبيده زمامها ؛ فهي سهلة ، وغير السهلة أن تكون مُقَطَّرَةً أو صَعْبة " .
هذا ، وأما صلاة الفريضة على الراحلة ؛ فقد سبق أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يفعله .
وقد ورد خلافه في حديث يعلى بن مُرَّة قال :
__________
(1) وفيه إشارة إلى أنه حديث ثابت عند أحمد ؛ فهو يعضد ما ذهبنا إليه ، ويَرُدُّ على ابن القيم اعلالَهُ إياه .
(1/64)


................................................................................
__________
انتهينا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مضيق ، السماء من فوقنا ، والبِلَّةُ من أسفلنا ، وحضرت الصلاة ، فأمر المؤذن ؛ [ فأذن ] وأقام - أو : أقام بغير أذان - ، ثم تقدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فصلَّى بنا على راحلته ، وصلينا خلفه على رواحلنا ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه . ولكنه حديث ضعيف . أخرجه الترمذي (2/266 - 267) ، والدارقطني (146) ، والبيهقي (2/7) ، وأحمد (4/173 -174) من طريق عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده يعلى بن مرة . وعلته عمرو بن عثمان ووالده ؛ فإنهما مجهولان ؛ ولذلك قال الترمذي :
" حديث غريب " . يعني : ضعيف . وقال البيهقي :
" وفي إسناده ضعف ، ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره ،
ويحتمل أن يكون ذلك في شدة الخوف " . ا هـ . قال الصنعاني (1/189) :
" وثبت ذلك عن أنس من فعله ... وذهب البعض إلى أن الفريضة تصح على
الراحلة ؛ إذا كان مستقبل القبلة في هَوْدَجٍ ، ولو كانت سائرة كالسفينة ؛ فان الصلاة
تصح فيها إجماعاً - قال الصنعاني : - قلت : وقد يفرق بأنه قد يتعذر في البحر وجدان الأرض ؛ فَعُفِيَ عنه بخلاف راكب الهودج .
وأما إذا كانت الراحلة واقفة ؛ فعند الشافعي تصح الصلاة للفريضة ، كما تصح
عندهم في الأرجوحة المشدودة بالحبال ، وعلى السرير المحمول على الرجال ؛ إذا كانوا واقفين " . ا هـ .
قلت : فإذا تعذرت الصلاة على الأرض - كأن تكون موحلة ؛ كما في حديث يعلى ،
أو كان راكباً في قطار ، أو طائرة محلقة في السماء ، ولا يمكنه النزول منهما ، وخشي خروج الوقت - ؛ فالقول بجواز الصلاة هو المعتمد ؛ لقوله تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
(1/65)


و " كان إذا أراد أن يصلي الفريضة ؛ نزل ، فاستقبل القبلة " (1) .
__________
وُسْعَهَا } ، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وما أمرتكم به ؛ فأتوا منه ما استطعتم " . أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة .
وقال أبو داود في " مسائله " (76) :
" قلت لأحمد : الرجل يكون في السَّرِيَّةِ ، ويكون الثلج كثيراً ؛ لا يقدر يسجد عليه
الرجل ؟ قال : يصلي على دابته . قال : قلت : يكون مطرٌ فيخاف أن تبتل ثيابه ؟ قال : يصلي على دابته " . وقال المروزي في " مسائله " :
" قلت - يعني لأحمد - : إذا صلى في ماء وطين ؛ كيف يسجد ؟ قال : إذا كان لا
يقدر على السجود ويفسد ثيابه ؛ يومئ إيماءً - كما قال أنس - . قال إسحاق :
كما قال .
قال : ويجزيه المكتوبة في الحضر - كما قال أنس - " .
(1) رواه جابر بن عبد الله قال :
كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على راحلته نحو المشرق ، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة ؛ نزل فاستقبل القبلة .
أخرجه البخاري (1/400 و 2/460) ، والدارمي (1/356) ، والبيهقي (2/6) - وزاد : وصلى - ، وأحمد (3/305 و 330 و 378) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه .
وفي الباب عن ابن عمر وعامر بن ربيعة ، وقد ذكرنا حديثَيْهِما قريباً . قال الحافظ
في " الفتح " : " قال ابن بطال : أجمع العلماء على اشتراط النزول للفريضة ، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر ، حاشا ما ذكر في صلاة شدة الخوف " .
(1/66)


وأما في صلاة الخوف الشديد ؛ فقد سنَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته أن يصلوا " رجالاً ؛ قياماً على أقدامهم ، أو ركباناً ؛ مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها " (1) .
__________
قلت : يعني حديث ابن عمر الآتي ؛ وهو :
(1) أخرجه مالك في " الموطأ " (1/193) ، ومن طريقه البخاري (8/161) ، ومحمد
في " موطئه " (ص 155) ، والشافعي في " الأم " (1/83) ، وعنه البيهقي (2/8) عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف ؛ قال :
يتقدم الإمام وطائفة ... ثم قصَّ الحديث . وقال ابن عمر في الحديث :
فإن كان خوفٌ أشد من ذلك ؛ صلوا رجالاً ؛ قياماً على أقدامهم ، أو ركباناً ؛
مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها . قال مالك : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ورواه ابن خزيمة من حديث مالك بلا شك . " تلخيص " (3/209) .
{ وهو مخرج في " الإرواء " (588) } .
وأخرجه مسلم (2/212) عن سفيان الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع به نحوه
مرفوعاً ، وفي آخره : وقال ابن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك ؛ فَصَلِّ راكباً أو قائماً ؛ تُؤْمِئُ إيْمَاءً . فجعل قول ابن عمر هذا فقط موقوفاً . قال الحافظ (2/326) :
" ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة موقوفاً كله .
لكن قال في آخره : وأخبرنا نافع : أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فاقتضى ذلك رفعه كله " .
وأخرجه البخاري (2/345) من طريق ابن جريج عن موسى به مرفوعاً ؛ بلفظ :
(1/67)


................................................................................
__________
" وإن كانوا أكثر من ذلك ؛ فليصلوا قياماً وركباناً " .
وأخرجه الطبري بإسناد البخاري ، ولفظه : عن ابن عمر قال :
إذا اختلطوا - يعني : في القتال - ؛ فإنما هو الذكر وإشارة الرأس .
قال ابن عمر : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فإن كانوا ... " إلخ .
قلت : وكذا رواه البيهقي (3/255) .
وأخرجه ابن ماجه (1/379) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر
قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة الخوف :
" أن يكون الإمام يصلي بطائفة ... " الحديث ، وفيه :
" ... فإن كان خوف أشد من ذلك ؛ فرجالاً أو ركباناً ... " .
وهذا شاهد قوي لرواية ابن المنذر المرفوعة كلها . قال الحافظ :
" وإسناده جيد . والحاصل : أنه اختُلف في قوله : " فإن كان خوف أشد من
ذلك ... " ؛ هل هو مرفوع ، أو موقوف على ابن عمر ؟ والراجح رفعه . والله أعلم " .
انتهى . ثم قال :
" قوله : (وإن كانوا أكثر من ذلك) : أي : إن كان العدو . والمعنى : أن الخوف إذا
اشتد ، والعدو إذا كثر ، فخيف من الانقسام لذلك ؛ جازت الصلاة حينئذ بحسب
الإمكان ، وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان ؛ فينتقل عن القيام إلى الركوع ،
وعن الركوع والسجود إلى الإيماء ، إلى غير ذلك ، وبهذا قال الجمهور . ولكن قال
المالكية : لا يصنعون ذلك حتى يخشى فوات الوقت " . ا هـ .
وبمثل ما ذكره عن الجمهور حكاه الطحاوي (1/190) عن الأئمة الثلاثة ؛ قالوا :
(1/68)


وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إذا اختلطوا ؛ فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس " (1) .
وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " ما بين المشرق والمغرب قبلة " (2) .
__________
" وكذلك لو أن رجلاً كان على الأرض ، فخاف إن سجد أن يفترسه سَبُع ، أو يضربه
رجل بسيف ؛ فله أن يصلي قاعداً ، إن كان يخاف ذلك في القيام ، ويومئ إيماء " .
(1) هو قطعة من حديث ابن عمر الذي تقدم (ص 67) ، وقد أخرجه البيهقي
(3/255 - 256) { بسند " الصحيحين " } ، وفيه عنده هذه القطعة . ورواه مسلم ، قال :
فقال ابن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك ؛ فصلِّ راكباً أو قائماً ؛ تومئ إيماءً .
وهذا ، وان كان ظاهره موقوفاً ؛ فقد ذكرنا فيما تقدم ما يدل على أن الحديث كله
مرفوع . فراجعه .
(2) هذا حديث صحيح (1) . أخرجه الترمذي (2/171) ، وابن ماجه (317) من
طريق أبي مَعْشَر نَجِيح عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً به .
وأبو معشر : ضعيف ؛ قال الترمذي :
" وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه " .
قلت : لكنه لم يتفرد به ؛ فقد أخرجه الترمذي بسند آخر ، فقال (173) :
ثنا الحسن بن أبي بكر المروزي : ثنا المُعَلَّى بن منصور : ثنا عبد الله بن جعفر المُخَرِّمي
عن عثمان بن محمد الأَخْنَسِي عن سعيد المَقْبُري عن أبي هريرة مرفوعاً به . وقال :
" حديث حسن صحيح " . قال :
__________
(1) { وقد خرجته في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل " (292) } .
(1/69)


................................................................................
__________
" قال محمد - يعني : البخاري - : هو أقوى من حديث أبي معشر وأصح " .
قلت : ورجاله ثقات . غير شيخ الترمذي الحسن بن أبي بكر . كذا هو في " السنن " ،
حتى في النسخة التي صححها أحمد شاكر القاضي ! وهو خطأ ، والصواب : الحسن بن بكر ؛
بحذف لفظة : (أبي) - كما في كتب الرجال : " التهذيب " ، و " الخلاصة " ، و " التقريب " - .
وهو : الحسن بن بكر بن عبد الرحمن المروزي ، أبو علي ، نزيل مكة . وقال مسلم :
" مجهول " . كما في " التهذيب " . وذكر فيه جمعاً من الثقات رووا عنه ، وكأنه لذلك
قال في " التقريب " :
" صدوق " . والله أعلم .
وللحديث شاهد من حديث ابن عمر .
أخرجه الدارقطني (101) ، والحاكم (1/206) عن يزيد بن هارون : أخبرنا محمد
ابن عبد الرحمن بن المُجَبِّر عن نافع عنه مرفوعاً به . وقال الحاكم :
" صحيح . وابن مجبر : ثقة " .
قلت : كلا ؛ ليس بثقة ؛ بل هو متفق على تضعيفه . وقد أورده الذهبي في
" الميزان " ، وكذا الحافظ في " اللسان " ، فلم يذكرا توثيقه عن أحد ؛ بل حَكَوا عبارات
الأئمة في ضعفه . فقد تفرد الحاكم بتوثيقه ؛ فلا يعتمد عليه .
لكنه قد توبع ؛ فأخرجه الدارقطني ، وعنه الضياء في " المختارة " ، والحاكم أيضاً
(205) من طريق أبي يوسف يعقوب بن يوسف الواسطي : ثنا شعيب بن أيوب : ثنا
عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع به . وقال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين ؛ فإن شعيب بن أيوب ثقة ، وقد أسنده " . ووافقه
الذهبي .
(1/70)


................................................................................
__________
قلت : ولكن شعيباً لم يخرج له الشيخان ؛ إنما أخرج له أبو داود فقط ، فالحديث
صحيح فقط ؛ إن كان الراوي عنه يعقوب بن يوسف الواسطي ثقة ؛ فقد تفرد به عنه ،
ولم أجد له ذكراً في شيء من كتب الرجال التي عندي .
وقد أخرجه البيهقي (2/9) عن الحاكم من الطريقين ، ثم قال :
" تفرد بالأول ابن مُجَبِّر . وتفرد بالثاني يعقوب بن يوسف الخلال . والمشهور رواية
الجماعة ؛ حماد بن سلمة ، وزائدة بن قدامة ، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم عن
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر من قوله " . قال :
" وروي عن أبي هريرة مرفوعاً . وروي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قِلابة عن
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلاً " . قال :
" والمراد به - والله أعلم - أهل المدينة ، ومن كان قبلته على سمت أهل المدينة فيما
بين المشرق والمغرب " . ا هـ .
وذلك ينطبق على من كان في الشمال أو الجنوب بالنسبة لمكة .
وأما من كان في الشرق أو الغرب ؛ فقبلته ما بين الشمال والجنوب . قال العلامة
الصنعاني في " سبل السلام " (1/188) :
" والحديث دليل على أن الواجب استقبال الجهة لا العين في حق من تعذرت عليه
العين ، وقد ذهب إليه جماعة من العلماء ؛ لهذا الحديث " .
قلت : وعليه الحنفية . قال :
" ووجه الاستدلال به على ذلك أن المراد أن بين الجهتين قبلةً لغير المُعايِن ، ومَن في
حكمه ؛ لأن المعايِن لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب ، بل كل الجهات في
حقه سواء متى قابل العين أو شطرها " .
(1/71)


وقال جابر رضي الله عنه :
" كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسيرةٍ أو سريَّة ، فأصابنا غيم ، فتحرَّينا
واختلفنا في القبلة ؛ فصلى كلُّ رجل منا على حدة ، فجعل أحدنا يخطُّ
بين يديه ؛ لنعلم أمكنتنا ، فلما أصبحنا ؛ نظرناه ، فإذا نحن صلينا على غير
القبلة ، فذكرنا ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، [ فلم يأمرنا بالإعادة ] ، وقال :
" قد أجزأت صلاتكم " (1) .
__________
(1) هذا حديث حسن - أو صحيح - ؛ جاء من طرق يقوي بعضها بعضاً ، { وهو
مخرج في " الإرواء " (296) } .
فأخرجه الدارقطني (101) ، والحاكم (1/206) ، والبيهقي (2/10) من طريق داود
ابن عمرو الضَّبِّي : ثنا محمد بن يزيد الواسطي عن محمد بن سالم عن عطاء عنه به .
والسياق للبيهقي بدون الزيادة ؛ فهي عند الأَوَّلَيْن . وقال الحاكم :
" هذا حديث محتج برواته كلهم ، غير محمد بن سالم ؛ فإني لا أعرفه بعدالة ولا
جرح " . قال الذهبي :
" هو أبو سهل ، واهٍ " .
قلت : لكنه توبع ؛ فرواه الدارقطني أيضاً ، وكذا البيهقي (2/10) ، وابن مردويه في
" تفسيره " من طريق أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال : وجدت في كتاب أبي :
ثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء به نحوه .
وعبد الملك هذا : ثقة ؛ من رجال مسلم . لكن في الطريق إليه أحمد بن عبيد الله
العنبري : وليس بالمشهور ؛ قال الذهبي :
" قال ابن القطان : مجهول " . قال الحافظ في " اللسان " :
" وذكره ابن حبان في " الثقات " فقال : روى عن ابن عنبسة ، وعنه ابن الباغندي .
(1/72)


................................................................................
__________
لم تثبت عدالته . وابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يَطَّلِعُون على
حاله . وهذا الرجل بصري شهير ، وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور " . ا هـ .
وأعله البيهقي بما فيه من الوجادة . وهذه ليست بعلة قادحة ؛ فقد أجاز الشافعي وغيره
العمل بالوجادة - كما هو مذكور في مصطلح الحديث - ، وذكرنا شيئاً منه في كتابنا " نقد
التاج " رقم (84) ، ولذلك لما ذكر الحديث الحافظ في " الدراية " (68) ؛ ما أعله إلا بقوله :
" وفيه جهالة " . يعني : جهالة أحمد بن عبيد الله المذكور ، على أن الحافظ لم يرتضِ - كما
يُستشمّ من كلامه السابق - إطلاق الجهالة عليه كما فعل ابن القطان وغيره . والله أعلم .
وللحديث متابعة أخرى ؛ فأخرجه البيهقي (2/10 - 11) عن محمد بن عبيد الله
العَرْزَمي عن عطاء به نحوه .
والعرزمي : ضعيف .
وللحديث شواهد :
منها : ما أخرجه الترمذي (2/176) ، وابن ماجه (1/319) والدارقطني ،
والطيالسي (156) ، وعنه البيهقي من طريقين عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن
عامر بن ربيعة عن أبيه نحوه .
ورجاله عند الطيالسي رجال مسلم ، غير عاصم هذا ؛ فهو ضعيف لسوء حفظه .
فمثله لا بأس به في المتابعات .
ومنها : ما أخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث معاذ بن جبل بنحو حديث
جابر . قال الهيثمي (2/15) :
" وفيه أبو عبلة والد إبراهيم ، ذكره ابن حبان في " الثقات " ، واسمه : شمر بن يقظان " .
ومنها : ما رواه ابن مردويه في " تفسيره " أيضاً من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن
عباس بنحو حديث عامر بن ربيعة .
(1/73)


و " كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي نحو بيت المقدس - [ والكعبة بين يديه ] - قبل أن
تنزل هذه الآية : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ } (البقرة : 144) . فلما نزلت ؛ استقبلَ الكعبة .
فبينما الناس بقُباء في صلاة الصبح ؛ إذ جاءهم آتٍ ، فقال : إنَّ رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أُنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة ؛ [ ألا ] فاستقبلوها . وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا ، [ واستدار إمامهم
حتى استقبل بهم القبلة ] " (1) .
__________
ذكره الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (1/159) ، ثم قال :
" وهذه الأسانيد فيها ضعف . ولعله يشد بعضها بعضاً . وأما إعادة الصلاة لمن تبين
له خطؤه ؛ ففيها قولان للعلماء ، وهذه دلائل على عدم القضاء " . ا هـ .
قلت : وهو مذهب أحمد وغيره ؛ فقد قال الترمذي - بعد أن ساق حديث عامر بن ربيعة - :
" وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا . قالوا : إذا صلى في الغيم لغير القبلة ، ثم
استبان له بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة ؛ فإن صلاته جائزة . وبه يقول سفيان الثوري
وابن المبارك وأحمد وإسحاق " .
وكلامهما في ذلك مذكور في " مسائل المروزي " عنهما ، وفي " مسائل عبد الله " عن أبيه .
قلت : وهو الصحيح من مذهب الحنفية - كما في " الهداية " - ، خلافاً للشافعية ؛
فإن الأصح عندهم - كما قال النووي (3/255) - أنه :
" تجب الإعادة ؛ إن تيقن الخطأ " . وعليه يدل كلام الشافعي في " الأم " (1/82) .
والصواب : ما ذهب إليه الأولون للأحاديث التي ذكرنا ، ولحديث صلاة أهل قباء نحو
بيت المقدس ، واستدارتهم إلى الكعبة - كما يأتي قريباً - . وإلى هذا ذهب الصنعاني (1/187) .
(1) ورد ذلك كله في أحاديث صحيحة :
(1/74)


................................................................................
__________
الحديث الأول : عن أنس قال :
كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي نحو بيت المقدس ، فنزلت : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِِ الحَرَامِ } . فمرّ رجل من بني
سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر ، وقد صلوا ركعة فنادى : ألا إن القبلة قد حُوِّلَتْ .
فمالوا كما هم نحو القبلة .
أخرجه مسلم (2/66) ، وأبو داود (1/164 - 165) ، وعنه البيهقي (2/11) ،
{ وابن سعد (1/242) } ، وأحمد (3/284) ، والحازمي في " الاعتبار " (43) عن حماد
عن ثابت - زاد أبو داود : وحميد - عنه .
الثاني : حديث ابن عمر قال :
بينما الناس بقباء ... الحديث . وفي آخره : فاستداروا إلى الكعبة .
أخرجه البخاري (1/402 و 8/141) ، ومسلم ، ومالك (1/201) ، ومن طريقه
محمد في " موطئه " (152) ، والشافعي في " الأم " (1/81 - 82) ، وعنه البيهقي
(2/2) ، والنسائي أيضاً (1/85 و 122) ، والدارمي (1/281) ، والدارقطني (102) ،
وأحمد (2/15 - 16 و 26 و 105 و 113) من طرق عن عبد الله بن دينار عنه .
والسياق للبخاري . والزيادة الأولى هي عنده في رواية . وأما الرواية الأخرى ؛ فهي
في حديث آخر ، وهو :
الثالث : عن سهل بن سعد :
أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . كان يصلي قِبَل بيت المقدس ، فلما حُوِّلَ ؛ انطلق رجل إلى أهل قباء ،
فوجدهم يصلون صلاة الغداة ، فقال :
إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أن يصلى إلى الكعبة . فاستدار إِمامُهم ؛ حتى استقبل بهم
القبلة . قال الهيثمي (2/14) :
(1/75)


................................................................................
__________
" رواه الطبراني في " الكبير " { (3/108/2) = [6/162/5860] } . ورجاله موثقون " .
قلت : وأخرجه أيضاً الدارقطني (102) من طريق عبيد الله بن موسى : ثنا
عبد السلام بن حفص عن أبي حازم عنه به .
وهذا سند جيد ؛ رجاله رجال الستة ، غير عبد السلام هذا ، وقد روى عنه جمع ،
ووثقه ابن معين .
وقد جاء بيان كيفية التحول الوارد في هذا الحديث في حديث آخر بأوضح منه ، وهو :
الحديث الرابع : عن تُوَيلة - بالمثناة الفوقية مصغراً - بنت أسلم قالت :
إنَّا لَبِمَقَامِنا نصلي في بني حارثة ، فقال عباد بن قبطي : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد
استقبل البيتَ الحرامَ والكعبةَ . فتحول الرجالُ مكان النساءِ ، والنساءُ مكان الرجالِ ؛
فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة . قال الهيثمي :
" رواه الطبراني في " الكبير " . ورجاله موثقون " .
قلت : وعزاه الحافظ في " الفتح " (1/399 و 402) لابن أبي حاتم ، وسكت عليه (*) .
فالعهدة عليهما ؛ فإني رأيت الحافظ قد ذكره في " الإصابة " في ترجمة تويلة ، فقال :
" روى حديثها الطبراني من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري عن إبراهيم بن جعفر
ابن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جدته أم أبيه تُويَلة بنت أسلم - وهي من
المبايعات - قالت : ... " فذكر الحديث .
وهذا إسناد رجاله ثقات ، غير إبراهيم بن جعفر هذا ؛ فإني لم أجد من ذكره ، وأظن
أنه في كتاب " الثقات " لابن حبان ؛ فإنه عمدة الهيثمي فيمن يوثقه في " المجمع " ممن لا
ذكر لهم في الكتب المشهورة . والله أعلم .
__________
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله تعالى في " الصفة " المطبوع (ص 77) للسراج .
(1/76)


................................................................................
__________
ثم قال الحافظ - بعد أن ساق القطعة الأخيرة من حديث تُويلة - :
" قلت : وتصويره : أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد .
لأن من استقبل الكعبة ؛ استدبر بيت المقدس . وهو لو دار كما هو في مكانه ؛ لم يكن
خلفه مكان يسع الصفوف . ولَمَّا تحول الإمام ؛ تحولت الرجال حتى صاروا خلفه ، وتحوّلت
النساءُ حتى صِرْنَ خلف الرجالِ .
وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة ؛ فيحتمل أن يكون ذلك وقعَ قبل تحريم العمل
الكثير - كما كان قَبْلَ تحريم الكلام - . ويحتمل أن يكون اغْتُفِرَ العملُ المذكور ؛ من أجل
المصلحة المذكورة ، أو لم تَتَوَالَ الخُطى عند التحول ؛ بل وقعت مفرقة . والله أعلم " .
ثم إن هذه القصة التي روتها تويلة هي غير قصة أهل قباء ؛ بدليل أن هذه كانت في
بني حارثة ، وكانت الصلاة رباعية ، وتلك كانت في بني عمرو بن عوف ، وهم أهل قباء
وكانت الصلاة ثنائية وهي صلاة الصبح - كما سبق - .
ويشهد لما ذكرنا حديث البراء بن عازب ، وهو :
الحديث الخامس : قال :
كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ لما قدم المدينة ] صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو
سبعة عشر شهراً ، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب أن يُوَجَّهَ إلى الكعبة ؛ فأنزل الله : { قَدْ
نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } ؛ فتوجه نحو الكعبة . وقال السفهاء من الناس (وهم
اليهود) : { مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ } .
فصلى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل ، ثم خرج بعدما صلى ، فمرَّ على قوم من الأنصار في
صلاة العصر نحو بيت المقدس ، فقال : هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنه توجه
نحو الكعبة . فَتَحَرَّفَ القوم حتى توجهوا نحو الكعبة .
(1/77)


................................................................................
__________
أخرجه البخاري (1/79 - 81 و 399 - 400 و 8/138 - 139) ، - واللفظ له ، إلا
الرواية الثانية ؛ فهي للترمذي - ، ومسلم (2/55 و 66) ، والنسائي (1/85 و 121) ،
والترمذي (2/169 - 170) - وقال : " حسن صحيح " - ، وابن ماجه (317) ، والدارقطني
(102) ، و البيهقي (2/2 - 3) ، و الطيالسي (98) ، وأحمد (4/283 و 289 و 304) من
طرق عن أبي إسحاق عنه ؛ صرح في بعضها بسماعه منه .
فهذا شاهد قوي لرواية تويلة : أن الصلاة كانت صلاة العصر . قال القاضي أبو بكر
ابن العربي في " عارضة الأحوذي شرح الترمذي " (2/139) :
" ووجه الجمع بين اختلاف الرواية في الصبح والعصر : أن الأمر بلغ إلى قوم في
العصر ، وبلغ إلى أهل قباء في الصبح " . وذكر مثله الحافظ ابن حجر في " الفتح " .
واعلم أن في هذا الحديث فوائد كثيرة :
منها : أن من كان في صلاة فعلم أنه قد اخطأ القبلة ؛ فعليه أن يستدير فيها نحوها ، ولو
تكرر ذلك مراراً - كما قال به علماؤنا - ، وقال الإمام محمد في " الموطأ " - بعد أن ساق الحديث - :
" وبهذا نأخذ فيمن أخطأ القبلة حتى صلى ركعة أو ركعتين ، ثم علم أنه يصلي إلى
غير القبلة ؛ فليحرف إلى القبلة ، فيصلي ما بقي ، ويعتد بما مضى . وهو قول أبي حنيفة
رحمه الله " .
وفيه : جواز تعليم من ليس في الصلاة مَنْ هو فيها . وأن استماع المصلي لكلام من
ليس في الصلاة لا يفسد صلاته . وسيأتي في هذا مثال وأمثلة أخرى في مكان آخر من
الكتاب . وفيه فوائد أخرى ذكرها في " فتح الباري " .
* * *
(1/78)


0 التعليقات :

إرسال تعليق

يسعدني تفاعلكم